حمد المانع

فترة التأمل الوجيزة تصبح أحيانا مرتعًا للهواجس السيئة، وتحيل بدورها الرغبة الجامحة وغير المنسجمة مع مبادئ المسلم وأخلاقه، إلى التشفي، عطفا على خلجات النفس الأمارة بالسوء. وتنضم والحالة تلك إلى الشماتة التي تجتر سوء النية، والأدهى والأمر حينما تقترن بالسخرية الفجة والتهكم السافر.

هذا الاضطراب النفسي والفراغ القيمي ومركب النقص الذي يعاني منه المتشفي، يوحي بعزوف الفكر وإعراضه عن سمو الأخلاق والابتكار والإبداع والعطاء، فلم يجد سوى ممارسة هذا السلوك المشين، ليملأ فؤاده الفارغ من الإيمان، في انسلاخ من أبسط الحقوق الإنسانية والأخلاقية والواجبات المترتبة على ذلك بهذا الخصوص، فضلًا عن ذلك فالإنسان لا يضمن الظروف ،فقد يقع في مثل ما وقع فيه المبتُلى، وفي هذه الحالة يتمنى أن يُدعى له لا عليه.

وكلما كانت نية الإنسان سليمة وقلبه ينضح صفاءً ونبلًا، فسينال من الآخرين مثل ما منحهم إبان محنتهم إمعانًا في تأصيل التكافل. وطرق أبواب الفضيلة المشرعة لكل من أعان على الخير في القول والعمل، واللافت أنك تجد البعض وبعد أن يشمتوا ويشبعوا شماتة يختمون حديثهم بقول " اللهم لا شماتة"!

فحري بنا أن نصفي قلوبنا في فلترة دائمة تنقي القلب من الشوائب وتلفظها خارجًا،‏ المؤمن دائمًا يحمد الله في السر والعلن في السراء والضراء.

من المعلوم أن دوام الحال من المحال كما قيل، إذ يتعرض الإنسان لظروف معينة ومواقف محددة قد لا تكون بحال من الأحوال موافقة لرغبته، فقد يرغب في شيء معين ولا يتحقق لأي سبب من الأسباب، أو أن يكون عكس ما كان معتقدًا ومؤملًا في حصوله. هذه الفرضية تحتم التسليم بأن الاستقرار والاستمرار على حال معينة لا يمكن ثباتها طبقًا لظروف الحياة وملابساتها، فقد يكون فقيرًا ويغنيه الله من فضله، وقد يكون غنيًا ويبتليه المولى بزوال شيء من ماله أو ماله كله، وقد يصبح معافى ويمسي مريضًا أو العكس. ومع ذلك فالمؤمن الصادق يلهج لسانه بالشكر والثناء لخالقه، في حين أن زوال ماله أو جزء منه قد يكون خيرًا له ودرءًا لشرور أقسى فيما لو استمر ماله معه، وقد يكون في مرضه خير من هلاكه فيما لو استمر بصحته.

من هنا ينبع اليقين المطلق بهذه الثوابت الراسخة، ويتجسد هذا اليقين من خلال التفاعل الصحيح والتعاطي السليم مع معطيات الحياة بشؤونها وشجونها قولا وعملا، بل والتحكم بالتفاعلات النفسية لا سيما التعامل مع رد الفعل بهذا الخصوص.

من هذا المنطلق تسهل الصعاب وتصغر العظائم وتهون المصائب، ذلك أنه موقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه في استشعار بديع بحلاوة الإيمان والثقة بالمولى عز وجل ليصيب الخير في السراء والضراء في الرخاء والشدة؛ فإن صبر وشكر فله الأجرن وكان ممن بشرهم المولى تبارك وتعالىز

ودائمًا تتردد في الأسماع كلمة بليغة عميقة متوارثة وستظل بإذن الله كذلكن وهي كلمة خيره فيما لو لم يتحقق ما أراد في اتكاء صلب على قوة الإيمان، وما أجملها وما أجملنا كذلك ونحن نرددها بين صغارنا كما كان آباؤنا يرددونها في قناعة مطلقة بما تحقق وما لم يتحقق، فلربما لو تحقق تتمنى بأنه لم يتحقق أو العكس.

الضمان في البقاء على حالة معينة ضرب من الخيال، والضامن هو المولى سبحانه وتعالى، والخير فيما اختاره جل في علاه، لأن المسببات التي تستدعي الاستمرار والبقاء على الحالة نفسه قد تزول؛ ومن ضمنها الإنسان الذي هو الآخر قد يزول في أية لحظة، فحالما يتلقى الإنسان خبرًا ما فالخواطر تداعب الذهن بسرعة متناهية، لتتشكل ملامح المشاعر المصاحبة لهذا الخبر وفق ما يقره العقل ورهنًا باطمئنان القلب أو شقائه وتعاسته. وهذا بطبيعة الحال ينسحب على رد الفعل التلقائي لأول وهلة، وهذه اللحظة بالذات مجال خصب لاستثمار مثمر حينما يكون الدعاء لمن ألمت به لائمة حاضرًا وبسرعة فائقة تئد الغفلة في مهدها.

فليست الشماتة من الدين والأخلاق في شيء، أسأل المولى تبارك وتعالى أن يسبغ علينا نعمة التراحم والتآلف والتواد أخوة متحابين، تربط بين قلوبنا علاقات قوية متينة ينبري لها الإحسان وتظللها الرأفة والحنان، مشكلة عقودًا مضيئة تتلألأ وتعانق عنان السماء في شموخ لم يكن إلا استجابة لأوامر الرحمن، وانقيادا لا يشوبه الرياء والسمعة، ومشاعر صادقة تفيض بالحب والنبل والسماحة.

حمد عبدالرحمن المانع

hmm1111@hotmail.com