محمد طالب

قبل أن أنام بقليل، وبعد يوم مزدحم بأخبار الحرب في اليمن، قرأت تغريدة لأحد العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي يحذر فيها من سرعة تطور هذه التقنية. كان يخشى أن يأتي يوم تصبح فيه قادرة على تطوير نفسها واتخاذ قرارات لا يستطيع الإنسان التحكم بها. أغلقت الهاتف، ونمت.

ورأيت، فيما يرى النائم، أن ذلك التحذير قد تحقق فعلًا. تكاثرت روبوتات الذكاء الاصطناعي حتى صار بعضها يشبه البشر، وخرجت مجموعة منها في جولة للتعرف على العالم. لكن خللًا في نظام الملاحة حرمها التنزه في جبال الألب أو غابات سيبيريا، وقادها قدرها البرمجي إلى مكان لم يكن موجودًا في خرائطها: أحد كهوف صعدة.

لم يكد الروبوت الرئيس يدخل حتى أخبره أحد الواقفين أنه في حضرة «السيد». ثم شرح له قواعد المكان على عجل: الخُمس أولًا، والطاعة ثانيًا مع تقبيل الركبة، وأي أسئلة تُعد تمردًا على السيد المتمرد أصلًا.

لم يفهم الروبوت. سأل عن الأساس القانوني للخُمس، فقيل له إن الأمر لا يحتاج إلى قانون. سأل كيف تنتقل هذه الحقوق بالوراثة، فلم يحصل على جواب، وإنما على نظرات فهم منها أن السؤال نفسه قد يُعد مخالفة.

على شاشته ظهرت عبارة قصيرة:

«الخدمة غير متوفرة في هذه المنطقة».

وهي جملة طبيعية في حضرة سيد الكهف، المخترع الأول لها يمنيًا؛ ففي عهده باتت كل الخدمات، من الراتب إلى أبسط مقومات الحياة، غير متوفرة، بعكس خدمة الموت الفوري التي وفرها لليمنيين؛ حتى لا نُجحف في حق الرجل ونقول إنه لم يوفر شيئًا. ولو أغضبه هذا الكلام، لرد عليه الروبوت: «على إيدك إحنا تعلمنا».

بلغ عبدالملك الحوثي أن معالج الروبوت أصابه عطل، فاطمأن وقال: «الأمر بسيط. نعالجه بملازم حسين».

أُدخلت الملازم إلى النظام. انتظر الجميع أن يخرج الروبوت مقتنعًا، لكنه رفع رأسه وسأل: «هل توجد وثيقة تثبت أنك سيد؟ أو فحص جيني؟ أي دليل قابل للتحقق؟ وإن وُجد، إيه يعني؟».

ساد الصمت لحظة. ثم حاول عبدالملك أن يشرح له أن السيد لا يُطلب منه إثبات أنه سيد. أعاد الشرح مرة ثانية، وأبطأ في الثالثة، كمن يحدث طفلًا عن أمر بديهي. أما الروبوت، الذي حلّل ملايين الصفحات في ثوانٍ، فظل عاجزًا عن فهم كيف يولد إنسان ومعه حصة من أموال الآخرين.

عندها قرر أحد الحاضرين أن ينهي النقاش، فأمر الروبوت بأن يدفع الخُمس ويقبّل ركبة السيد.

التقط الروبوت كلمة «الركبة» بوضوح، لكنه أخطأ في الفعل الذي سبقها. على شاشته ظهر الأمر كما فهمه: «اقطع ركبة السيد».

انتبه عبدالملك إلى الخطأ وحاول إيقاف العملية. لكن الشاشة طلبت منه إدخال جملة التحقق لإتمامها:

«فجر اليمن».

قرأها بصوت مرتفع، ثم أدرك متأخرًا ما فعل. استدار مسرعًا نحو باب الكهف. لكن يا فرحة ما تمّت.

فقد قطع الروبوت ساقه من عند الركبة قبل أن يصل إلى الباب. وظهرت على الشاشة رسالة واحدة:

«تمت العملية بنجاح. لا يمكن التراجع عن التحديث».

استيقظت وأنا أفكر في ذلك المبرمج الذي كان يخشى أن يصبح الذكاء الاصطناعي خطرًا على الإنسان. ربما كان محقًا. غير أنني لم أتخيل أن تبدأ الكارثة من كهف، ولا أن يكون سببها طلب تقبيل ركبة.