كاملة طرشي الصغير

الرواية التي تقوم على الفنتازيا هي بالأساس تنشأ من الواقع ولكن ليس الواقع المباشر لأن مصطلح «فنتازيا» يعني الخيال، فنحن هنا أمام عمل روائي قد يحمل رسالة قوية في مضامينها وسليمة في أفكارها وتهدف إلى تصحيح أوضاع ونسف أخطاء، ولكن كل ذلك يقوم على أساس خيالي قد يشطح الكاتب في ذلك الخيال، ويخرج عن دائرة المعقول ويذهب بعيدًا عنها، وقد يكون خيالا بسيطا من الممكن للقارئ العادي صاحب الأرضية البسيطة في الفهم والاستيعاب والربط الاستفادة مما يقرأ، وإسقاط الأفكار الصحيحة والخلاصات القويمة من العمل على حياته، قد ينجح في فهمها. ولكن الفنتازيا بدرجة معينة ستفشل في جذب القارئ وبدرجة معينة في أن يكون للأدب الدور الفاعل في تغيير المجتمعات والأفكار، ووقف إمداد سلاسل الأفكار الخاطئة التي تغذي عقل الإنسان. قد تدمره وتدمر حياته، لأنها قامت على خيال. تظل هناك مسافة، روايات الفنتازيا تفشل في أن تقطعها، للوصول إلى الحياة الواقعية. الفنتازيا تخدم الكاتب بالدرجة الأولى لأنه يكتب وهو منفصل تمامًا، حياته الشخصية وعلاقاته، عما يقدمه فيها. وبذلك يكون نجح في ألا تكون حياته الشخصية طبقا شهيا للنقاد أو القراء، أو مشاعا للجميع، لأن ما يقدمه عن طريق الفنتازيا لا يمت له ولا لحياته ولا حتى لدائرة محيطه الكبير بأي صلة، وفي الوقت نفسه حمل هما معينا، وكان معنيًا بتقديم الدعم والمعالجة بمستويات عالية من النضج الفكري والوعي، في أن ينقل رسالته عبر روايات تقوم على الخيال، قد يفشل قارئ السبعة عشر عامًا - مثلا - في تحقيق أقصى استفادة من قراءتها، حتى وإن قرأها من باب المتعة.

كنموذج للفنتازيا رواية «فسوق» للروائي عبده خال، حيث الفكرة التي تقوم عليها الرواية ليست بعيدة عن الواقع فحسب، بل هي خيال محض والعقدة في الرواية لا تحدث، والنهاية بالنسبة لتلك العقدة من ذلك النوع الذي يضعه الكاتب للخروج من المأزق الذي وقعت فيه شخوص الرواية. وطبعًا حلول مشاكلهم ومعالجة متاعبهم بديهيا ستكون فنتازيا أيضًا، لأن المرتكز الأساسي للأحداث خيالي، وأيضًا النهاية عطفًا على ما سبق ستكون خيالية. فالجميع يحظر إلباس الأنثى ثوب الخطيئة في واقع المجتمعات العربية، ولا أحد ــ كما في الرواية ــ يحظر حفلة تتويج الأنثى بتاج البراءة!

البطولة المطلقة في الرواية لامرأة، ولكن الدور الذي لعبته البطلة باهت، أسخف بكثير من كيان المرأة ودورها الحقيقي في الحياة.

في حين توزّع دور البطولة على نماذج الرجل الموجودة في الرواية، ففواز كان نموذجا لبطل، وخالد كان نموذجا لبطل ثان، وشفيق كان نموذجا لبطل ثالث، ووالد جليلة كان نموذجا لبطل رابع.. فحينًا يلبس الرجل ثوب الفكر، وحينًا يلبس ثوب العمل بحرفية شديدة، وحينًا ثوب الانحراف والرذيلة – البطولة لا تعني المثالية - وحينًا ثوب العقلانية والصبر على التوالي طبعًا.

لكن العمل الروائي نجح في نقل رسالة، ونجح الكاتب في أن يسقط تلك القصص والمتاعب والآلام في عمل روائي مستفز من السطر الأول، وفي الوقت نفسه نجح في أن ينفصل تمامًا عما يكتب. الانفصال هنا ليس في الفكر والشعور، إنما عن دوائر الحياة الواقعية اليومية.

أما رواية الواقعية التي تجسد وتعكس الواقع، كما هو كأنها مرآة تعكس كل شيء وبدقة عالية وبوضوح شديد وبشكل مباشر، وهنا يحضر أولًا: الأدب الكبير، الرسالة الواضحة الجلية، تصحيح الخطأ، تقويم المعوج. وتحضر ثانيًا: الضريبة الغالية جدًا التي يدفع ثمنها الكاتب لأنه مهما كانت محاولاته لأن يفصل بين حياته الشخصية ومحيطه الاجتماعي برموز وأسماء وأماكن جغرافية، مستخدمًا اللغة العربية الفصحى ليوسع دائرة النص ويوسع دائرة الرسالة، إلا أنه لن ينجح في الانفصال التام عنها بأي شكل من الأشكال، بل ستظل تمثل علامة للتعرف على بيئته وعصره ومجتمعه على مدى مئات السنين.

هذا السؤال المعضلة كيف يكون «الأدب الكبير» وكيف تصل الرسالة دون أن يدفع الكاتب تلك الضريبة الغالية والموجعة؟