مبارك البوادي

هناك أشخاص يعيشون بيننا، نلتقيهم في المجالس ونسمع أحاديثهم، فنجد عند بعضهم خليطًا عجيبًا من التشدد في الرأي، والحساسية من مخالفة الآخرين، وحب الظهور، والثقة المفرطة بالنفس. وقد لا يشعر صاحب هذه الصفات بها، بينما يلاحظها من حوله بوضوح.

يقول أحدهم، وكأنه يحمل الحقيقة كاملة في جيبه: «لا أريكم إلا ما أرى». ومن يختلف معه في رأي، أو يناقشه في مسألة، فقد يجد نصيبه من الجفاء، وربما يبدأ التقليل من شأنه أمام الآخرين، والتشكيك في فهمه وعلمه وخبرته.

والأغرب أن بعضهم لا يكتفي بمناقشة الفكرة، بل يعود إلى ماضي الشخص وكأنه يحتفظ بملف قديم لا يسمح بإغلاقه! فإن تغير الإنسان، وقرأ، وتعلم، وتطور، ظل الماضي حاضرًا في كل مجلس: أنت بالأمس كنت كذا وكذا! وكأن الإنسان ممنوع من التطور، ومطالب بأن يبقى نسخة واحدة طوال حياته.

وهنا تظهر مشكلة أخرى؛ فالحوار عند البعض لا يكون للوصول إلى الحقيقة، وإنما لإثبات أن: أنا أعرف، وأنا أفهم، وأنا الأصح. فإذا اتفق الناس معه ابتسم، وإذا خالفوه ضاق صدره، وإذا أثنى أحدهم على غيره ربما شعر أن في الأمر انتقاصًا من مقامه!

وتذكرت في هذا السياق مشهدًا من مسلسل بدوي، لرجل يدّعي المشيخة، وحوله مجموعة من المقرّبين الذين لا يكادون يقولون له إلا ما يحب سماعه، فيقول لهم بمعنى طريف: لا تمدحوني أمامي، امدحوني عند العربان!

ثم يسألهم: هل رأيتم مني إلا الفعايل الزينة؟

فتجيبه الحاشية: أبد، ما عرفنا عنك إلا كل فعل طيب!

بينما يعرف المشاهد أن الواقع مختلف تمامًا. وهنا تكمن الطرافة، حين يحيط الإنسان نفسه بمن لا يقول له إلا ما يحب، يبدأ في تصديق الصورة التي رسمها له المحيطون به، ولو كانت بعيدة عن الحقيقة.

في علم النفس، توجد سمات مختلفة قد تتقاطع في بعض السلوكيات، منها السمات النرجسية كالحاجة المفرطة للإعجاب والشعور بالتفوق وعدم تقبل النقد، ومنها السمات الوسواسية التي قد تظهر في صورة التشدد الزائد، والتمسك الشديد بالقواعد أو الآراء، وصعوبة تقبل التغيير. لكن لا يصح أن نطلق تشخيصًا نفسيًا على شخص لمجرد ملاحظة بعض هذه الصفات فيه؛ فالتشخيص له معايير وأهل اختصاص.

المهم هنا ليس الاسم، وإنما السلوك وأثره على الناس. فليس عيبًا أن يثق الإنسان بنفسه، ولا أن يعتز بعلمه وخبرته، ولا أن يتمسك برأيه إذا كان يراه صحيحًا. العيب أن تتحول الثقة إلى غرور، والرأي إلى عناد، والنصيحة إلى إهانة، والاختلاف إلى خصومة.

والإنسان العاقل لا يخسر الناس لأنه يختلف معهم، بل يكسبهم بأدبه عند الاختلاف.

ومن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يترك لنفسه مساحة للسؤال:

هل أنا دائمًا على صواب؟

هل أستمع كما أتكلم؟

هل أقبل النقد كما أحب المدح؟

وهل الذين حولي يقولون الحقيقة لي، أم يقولون ما يرضيني؟

فقد يكون حول الإنسان عشرة يصفقون له، لكنه يحتاج إلى شخص واحد يقول له: يا أخي، راجع نفسك.

في النهاية، لا أحد كامل، وكلنا بحاجة إلى مراجعة أنفسنا من وقت إلى آخر. وإذا صادفنا شخصًا يبالغ في هذه الصفات، فالنصيحة أن نتعامل معه بهدوء، ونبتعد عن الجدل الذي لا ينتهي، ولا نشارك في التقليل من الآخرين أو التشهير بهم.

فالاختلاف سنة الحياة، والتواضع زينة، وقبول النقد قوة، وأجمل ما في الإنسان أن يعرف قدره من غير أن يصغّر قدر غيره.

وربما أجمل قاعدة تختصر الموضوع كله:

لا تجعل مجلسك مرآةً لا ترى فيها إلا نفسك، فربما كانت الصورة التي تراها أجمل من الحقيقة!