خالد: ذياب البدراني

في ظل التحول الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، يبرز تطوير القيادات الوطنية كإحدى أهم ركائز بناء المستقبل. رؤية 2030 لم تضع هذا الهدف في هامش أولوياتها، بل جعلته محوراً استراتيجياً يتجاوز التنمية الاقتصادية والبنية التحتية، ليصل إلى جوهر أي تقدم حقيقي: الإنسان السعودي وقدرته على القيادة والإبداع.

تدرك القيادة الرشيدة في المملكة أن الثروة الحقيقية لا تكمن فيما تحت الأرض، بل فيما فوقها، في العقول التي تفكر والكفاءات التي تبتكر والقيادات التي تستطيع حمل المسؤولية في ظروف معقدة ومتغيرة.

من هنا جاءت البرامج الوطنية المتعددة لتطوير القيادات، من برنامج قادة 2030 التابع لمؤسسة مسك، إلى برنامج قادة هدف بالشراكة مع مؤسسات أكاديمية عالمية، وصولاً إلى برامج جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية وجامعات أخرى تفتح أبوابها للقادة السعوديين لصقل مهاراتهم وتوسيع آفاقهم.

هذه البرامج لا تُعدّ قادة بالمعنى التقليدي فحسب، بل تبني نموذجاً قيادياً سعودياً معاصراً يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين العمق الثقافي والانفتاح على العالم.

غير أن هذه الجهود الوطنية المباركة، رغم حجمها وعمقها، تواجه تحدياً لا يُستهان به على أرض الواقع. ففي بعض البيئات التنظيمية، يجد القائد الموهوب نفسه أمام جدار غير مرئي يحول دون تقدمه، جداراً لا يبنى من الأنظمة واللوائح، بل من سلوكيات بشرية تتجاوز النصوص الرسمية. هناك من المسؤولين من ينظر إلى القائد الواعد لا كثروة يجب صقلها، بل كتهديد يجب احتواؤه.

ولا يقتصر الأمر على النظر، بل يمتد إلى ممارسات عملية تتنوع بين تجميد القائد في منصبه دون تطوير، وحجب الفرص عنه، وصولاً إلى محاولات تهميشه أو إبعاده عن مراكز التأثير.

الظاهرة ليست جديدة في تاريخ المؤسسات، لكنها تكتسب خطورة خاصة في مرحلة التحول الوطني التي تعيشها المملكة.

فعندما يُضعف قائد واعد أو يُحبط موهبة واعدة، لا يخسر الفرد وحده، بل تخسر المؤسسة والوطن معاً. خسارة المواهب في هذه المرحلة ليست مجرد تراجع تنظيمي، بل إهدار لاستثمار وطني كبير، وإبطاء لمشاريع استراتيجية تعتمد على قادة شجعان قادرين على قيادة التغيير. والأخطر من ذلك، أن انتشار ثقافة اليأس بين الكفاءات الشابة يخلق بيئة عملية يصعب فيها استقطاب المواهب أو الاحتفاظ بها، مما يُعيق مسيرة التنمية بأكملها.

لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر إلى جذورها النفسية والتنظيمية. بعض المسؤولين يعانون من شعور بالنقص تجاه من هو أكثر كفاءة أو أكثر حداثة في التفكير، فيتحول هذا الشعور إلى سلوك دفاعي يهدف إلى إضعاف الآخر بدلاً من تطوير الذات.

وفي بيئات أخرى، تسود ثقافة الولاء الشخصي على حساب الولاء المؤسسي، فيصبح القائد الموهوب ضحية لحسابات ضيقة تضع المصالح الفردية فوق المصالح الوطنية. ومع غياب آليات متابعة فعالة في بعض الجهات، تمر هذه الممارسات دون محاسبة، ما يشجع على تكرارها وترسيخها.

لمواجهة هذا التحدي، لا يكفي الاعتماد على البرامج التدريبية وحدها، بل تقتضي الحال بناء بيئة تنظيمية تحمي الموهوبين وتكافئ من يطورهم. يمكن البدء بإدراج مؤشرات تطوير الكفاءات ضمن معايير تقييم أداء المسؤولين، بحيث يكون المسؤول الذي لا يُخرج قادة من تحت يده مسؤولاً عن ذلك أمام مؤسسته. كما يمكن تطبيق أنظمة تدوير وظيفي للقادة الواعدين، تمنحهم فرصة العمل في بيئات متنوعة وتقلل من احتمالية احتكارهم من قبل مسؤول واحد. ولا بد من توفير قنوات آمنة للإبلاغ عن حالات التهميش، مع ضمانات قانونية تحمي المبلغ من أي انتقام.

في المقابل، يجب مكافأة المسؤولين الذين يثبت تاريخهم في بناء قادة ناجحين، وجعل ذلك جزءاً من سمعتهم المهنية ومسارهم الوظيفي. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بما يحققه الفرد لنفسه، بل بما يُمكنه من تحقيقه للآخرين. والمسؤول الذي يبني قادة هو بان للوطن بقدر ما هو بان لمؤسسته.

تقف المملكة العربية السعودية اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، ونجاح رؤية 2030 مرهون بجودة قياداتها وقدرتها على حمل الأمانة. بذلت الدولة جهوداً جبارة في تطوير هذه القيادات، لكن الجهد الوطني يظل عرضةً للإجهاض ما لم تُحصَّن البيئة التنظيمية من سلوكيات الهدم الفردية.

حماية القيادات الموهوبة ليست مجرد قضية إدارية، بل قضية وطنية تستحق اهتماماً على أعلى المستويات. ففي كل قائد واعد نحتضنه ونمكّنه، نبني غداً أفضل للمملكة وأجيالها القادمة.