فاطمة المزيني

قال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في مقابلة تلفزيونية: إن العراق بلد عربي وجزء من الخليج، لم تكن أهمية العبارة في تأكيد حقيقة جغرافية وتاريخية معروفة، وإنما في توقيتها السياسي وما أحاط بها من تطورات. فقد جاءت عقب زيارته السريعة إلى الرياض، وفي ظل إجراءات تتعلق بالمنافذ الحدودية مع إيران، وتقارير عن تقييد أنشطة الحوثيين في العراق، وتصريحات لمسؤولين عراقيين بشأن التدخلات الخارجية. وهو تزامن يفتح باب التساؤل حول ما إذا كانت بغداد بصدد إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، أم أنها تمضي نحو استعادة استقلال قرارها السياسي بصورة أوسع.

لا تكفي هذه المؤشرات لإعلان تحول إستراتيجي مكتمل، كما أن اختزالها في اقتراب العراق من السعودية يغفل جوهر المسألة. فالعراق يواجه استحقاقًا يتجاوز إعادة توزيع علاقاته الخارجية إلى بناء توازن مؤسسي يجعل المصلحة الوطنية مرجعًا لقراراته، ويمنحه القدرة على التعامل مع القوى الإقليمية من موقع الدولة صاحبة السيادة، لا من موقع الساحة التي تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.

وتحمل العودة إلى الحديث عن الهوية العربية للعراق دلالة خاصة في هذه المرحلة. فالعراق لم يكن يومًا على هامش التاريخ العربي، بل كان أحد مراكزه السياسية والحضارية والفكرية الكبرى، ومن بغداد تشكلت فصول واسعة من الثقافة العربية ووعيها التاريخي. ولذلك فإن تأكيد انتمائه العربي لا يمثل اكتشافًا لهوية غائبة، بقدر ما يعكس اهتمامًا بإعادة الاعتبار لامتداده الطبيعي، وترجمة هذا الانتماء إلى علاقات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر حضورًا.

لا تستلزم هذه المقاربة القطيعة مع جيرانه الذين تربطهم بالعراق حدود طويلة ومصالح اقتصادية وروابط اجتماعية ودينية ممتدة. فالعلاقات الطبيعية بين الدول لا ينبغي أن تتحول إلى نفوذ يقيّد خياراتها، كما أن الانفتاح على المحيط العربي لا يفترض قيام خصومة مع الجوار. والتحدي الحقيقي أمام بغداد هو أن تجعل من تنوع علاقاتها مصدرًا للاستقرار، وأن تحتفظ بحقها الكامل في تحديد مصالحها بعيدًا عن استقطابات المنطقة.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة حصر السلاح بيد الدولة بوصفها اختبارًا جوهريًا لاستقلال القرار العراقي. فالتفاهمات المعلنة مع بعض الفصائل المسلحة لا تكتسب قيمتها السياسية إلا حين تنعكس على قدرة المؤسسات الدستورية على احتكار استخدام القوة، ومنع اتخاذ قرارات عسكرية خارج سلطتها. إذ لا يمكن لسياسة خارجية مستقلة أن تستقر ما دامت الدولة لا تنفرد بقرار الحرب والسلم، أو تتحمل تبعات مواقف لم تصدر عن مؤسساتها.

أما زيارة الرياض، فتكتسب أهميتها من موقع السعودية في محيط العراق العربي، ومن الفرص التي يتيحها توسيع التعاون بين البلدين في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار والربط الاقتصادي. ولا يلزم افتراض أن الزيارة كانت سببًا مباشرًا للإجراءات العراقية اللاحقة لإدراك قيمتها الدبلوماسية؛ فالتقارب بين الدول يُقاس أيضًا بما يفتحه من خيارات، وما يؤسسه من مصالح قادرة على الاستمرار بعد انحسار الأزمات.

ومع ذلك، فإن الانتقال من التصريحات إلى السياسات يظل المعيار الأهم للحكم على هذه المرحلة. فالإجراءات الحدودية، وضبط نشاط الجماعات المسلحة، وتطوير العلاقات العربية، جميعها تحتاج إلى استمرارية مؤسسية حتى تتحول من مؤشرات سياسية إلى واقع مستقر. وعندها فقط يمكن الحديث عن تحول يتجاوز إدارة الظروف الراهنة إلى إعادة بناء موقع العراق في معادلات المنطقة.

تكلّم الزيدي عن عروبة العراق وعلاقاته بجيرانه، لكن المعنى الأبعد لكلماته سيحدده ما تستطيع الدولة العراقية إنجازه. فالعراق لا يحتاج إلى مغادرة جغرافيته ليعود إلى عمقه العربي، ولا إلى خصومة مع أحد ليمتلك قراره. إنما يحتاج إلى مؤسسات تجعل من هويته مصدر انتماء، ومن مصالحه أساسًا لعلاقاته، ومن سيادته حقيقة لا تقف عند حدود الخطاب السياسي.