وسط تصاعد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية تجاه طهران، والردود الإيرانية، واستمرار تحرك الميليشيات المرتبطة بإيران في أكثر من ساحة، اجتمع وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان في إسطنبول نهاية الأسبوع الجاري، وكان عنوان اجتماعهم السلام والاستقرار، والحوار بدلًا من الحرب، وحماية المدنيين والممرات البحرية، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى جولة أخرى من الصراع. هذه المفارقة تختصر كثيرًا مما يحدث، فالمنطقة التي عاشت طويلًا على وقع الحروب لم تعد بحاجة إلى حرب جديدة، ودولها تريد أن تنمّي اقتصاداتها، وتجذب الاستثمارات، وتبني المدن، وتخلق فرص العمل، وتفتح الممرات أمام التجارة والسياحة. لكنها كلما اقتربت من الاستقرار عاد السؤال نفسه ليطرق الباب:
هل ستُترك المنطقة لتبني مستقبلها، أم ستبقى رهينة صراع يستطيع طرف ما إشعاله بصاروخ أو مسيّرة أو ضربة عسكرية؟ المشكلة أن لغة الحرب ترتفع مجددًا، فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحدث عن احتمال تنفيذ عملية عسكرية أخرى ضد إيران، ونتنياهو ذهب أبعد من ذلك متحدثًا عن إسقاط النظام الإيراني بوصفه طريقًا لإنهاء التهديد، في المقابل تؤكد طهران استعدادها للرد الذي يعرف الجميع شكله وحدوده من الجولات السابقة.
وبين الوعيد والاستعداد للتفاوض مساحة ما زال ممكنًا إنقاذها، فالخطر في تصعيد الخطاب ليس في الكلمات وحدها، وإنما في أن يرفع كل طرف سقف توقعاته إلى درجة يصبح معها التراجع أصعب، حتى لو كانت التسوية أقل كلفة من الحرب.
لا يمكن القفز فوق الدور الإيراني في أزمات المنطقة، إذ بنت طهران خلال سنوات شبكة من الجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدول، منحتها نفوذًا وقدرة على الضغط في أكثر من جبهة، والمشكلة في هذا النموذج أنه يجعل أمن دول أخرى قابلًا للتحول إلى ورقة في صراع إيران مع خصومها، ويمنح جماعات مسلحة قدرة على التأثير في قرار الحرب والسلام خارج مؤسسات الدولة.
والمنطقة تعرف هذه الحقيقة، فالميليشيا الحوثية المدعومة من إيران صعّدت خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها بالصواريخ والمسيّرات على الأراضي السعودية، وطالت الاعتداءات مطارات ومنشآت مدنية، وهو تصعيد يمنح طهران عمليًا ورقة ضغط إضافية في مشهد إقليمي تتداخل فيه الجبهات والحسابات.
لا ينبغي لأمن المملكة ولا لأمن أي دولة في المنطقة، أن يتحول إلى ساحة رسائل بين قوى تتفاوض أو تتقاتل في ملفات أخرى، وإذا كان الحوثيون يملكون حساباتهم المحلية في اليمن، فإن ارتباطهم بطهران والدعم الإيراني الذي يتلقونه يجعلان تحركاتهم جزءًا من مشهد إقليمي أوسع. وهذا تحديدًا ما يجعل السلام أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار بين واشنطن وطهران، فالسلام الحقيقي في المنطقة يحتاج أيضًا إلى أن تستعيد بعض الدول المحتلة من الميليشيات المرتبطة بإيران مكانها، وأن تتراجع قدرة التنظيمات المسلحة على جر المجتمعات إلى الحروب، وأن يصبح احترام سيادة الدول قاعدة لا استثناءً؛ فلا تستخدم دولة أراضي غيرها أو جماعات داخلها لتصفية حساباتها مع خصومها.
في الطرف الآخر، يصعب بناء استقرار دائم فيما تستمر إسرائيل في التعامل مع القوة العسكرية بوصفها جوابًا متكررًا عن أزمات المنطقة، فيما تهرب للأمام من أي حل يتعلق بفلسطين، وهو ما كان لافتًا في بيان إسطنبول الذي وضع الاحتلال الإسرائيلي في أصل حالة عدم الاستقرار، وتمسك بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. فالفلسطينيون يحتاجون إلى أفق سياسي حقيقي، وإلى وقف الاستيطان والعنف، وضمان وصول المساعدات وإعادة إعمار غزة، وإلى أن يشعروا أن الحديث عن السلام يعنيهم هم أيضًا، ولا يقتصر على ترتيبات بين القوى الكبرى.
المواجهة الأعمق في المنطقة اليوم ليست فقط بين إيران وإسرائيل، أو بين طهران وواشنطن، فهناك مواجهة بين منطقين؛ الأول منطق دول تريد الاستقرار كي تبني وتنمو، والآخر منطق ما زال يرى النفوذ في الصواريخ والحروب بالوكالة وتوسيع ساحات الصراع. الدول الأربع التي اجتمعت في إسطنبول اختارت منذ سنوات طويلة أن تجعل التنمية مركز مشروعها الوطني، ولذلك فإن مصلحتها في استقرار المنطقة ليست موقفًا نظريًا، بل جزء من مشروع اقتصادي واجتماعي واسع يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة. نافذة: هناك مواجهة بين منطقين؛ الأول دول تريد الاستقرار كي تبني وتنمو، والآخر منطق ما زال يرى النفوذ في الصواريخ والحروب بالوكالة وتوسيع ساحات الصراع.
هل ستُترك المنطقة لتبني مستقبلها، أم ستبقى رهينة صراع يستطيع طرف ما إشعاله بصاروخ أو مسيّرة أو ضربة عسكرية؟ المشكلة أن لغة الحرب ترتفع مجددًا، فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحدث عن احتمال تنفيذ عملية عسكرية أخرى ضد إيران، ونتنياهو ذهب أبعد من ذلك متحدثًا عن إسقاط النظام الإيراني بوصفه طريقًا لإنهاء التهديد، في المقابل تؤكد طهران استعدادها للرد الذي يعرف الجميع شكله وحدوده من الجولات السابقة.
وبين الوعيد والاستعداد للتفاوض مساحة ما زال ممكنًا إنقاذها، فالخطر في تصعيد الخطاب ليس في الكلمات وحدها، وإنما في أن يرفع كل طرف سقف توقعاته إلى درجة يصبح معها التراجع أصعب، حتى لو كانت التسوية أقل كلفة من الحرب.
لا يمكن القفز فوق الدور الإيراني في أزمات المنطقة، إذ بنت طهران خلال سنوات شبكة من الجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدول، منحتها نفوذًا وقدرة على الضغط في أكثر من جبهة، والمشكلة في هذا النموذج أنه يجعل أمن دول أخرى قابلًا للتحول إلى ورقة في صراع إيران مع خصومها، ويمنح جماعات مسلحة قدرة على التأثير في قرار الحرب والسلام خارج مؤسسات الدولة.
والمنطقة تعرف هذه الحقيقة، فالميليشيا الحوثية المدعومة من إيران صعّدت خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها بالصواريخ والمسيّرات على الأراضي السعودية، وطالت الاعتداءات مطارات ومنشآت مدنية، وهو تصعيد يمنح طهران عمليًا ورقة ضغط إضافية في مشهد إقليمي تتداخل فيه الجبهات والحسابات.
لا ينبغي لأمن المملكة ولا لأمن أي دولة في المنطقة، أن يتحول إلى ساحة رسائل بين قوى تتفاوض أو تتقاتل في ملفات أخرى، وإذا كان الحوثيون يملكون حساباتهم المحلية في اليمن، فإن ارتباطهم بطهران والدعم الإيراني الذي يتلقونه يجعلان تحركاتهم جزءًا من مشهد إقليمي أوسع. وهذا تحديدًا ما يجعل السلام أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار بين واشنطن وطهران، فالسلام الحقيقي في المنطقة يحتاج أيضًا إلى أن تستعيد بعض الدول المحتلة من الميليشيات المرتبطة بإيران مكانها، وأن تتراجع قدرة التنظيمات المسلحة على جر المجتمعات إلى الحروب، وأن يصبح احترام سيادة الدول قاعدة لا استثناءً؛ فلا تستخدم دولة أراضي غيرها أو جماعات داخلها لتصفية حساباتها مع خصومها.
في الطرف الآخر، يصعب بناء استقرار دائم فيما تستمر إسرائيل في التعامل مع القوة العسكرية بوصفها جوابًا متكررًا عن أزمات المنطقة، فيما تهرب للأمام من أي حل يتعلق بفلسطين، وهو ما كان لافتًا في بيان إسطنبول الذي وضع الاحتلال الإسرائيلي في أصل حالة عدم الاستقرار، وتمسك بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. فالفلسطينيون يحتاجون إلى أفق سياسي حقيقي، وإلى وقف الاستيطان والعنف، وضمان وصول المساعدات وإعادة إعمار غزة، وإلى أن يشعروا أن الحديث عن السلام يعنيهم هم أيضًا، ولا يقتصر على ترتيبات بين القوى الكبرى.
المواجهة الأعمق في المنطقة اليوم ليست فقط بين إيران وإسرائيل، أو بين طهران وواشنطن، فهناك مواجهة بين منطقين؛ الأول منطق دول تريد الاستقرار كي تبني وتنمو، والآخر منطق ما زال يرى النفوذ في الصواريخ والحروب بالوكالة وتوسيع ساحات الصراع. الدول الأربع التي اجتمعت في إسطنبول اختارت منذ سنوات طويلة أن تجعل التنمية مركز مشروعها الوطني، ولذلك فإن مصلحتها في استقرار المنطقة ليست موقفًا نظريًا، بل جزء من مشروع اقتصادي واجتماعي واسع يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة. نافذة: هناك مواجهة بين منطقين؛ الأول دول تريد الاستقرار كي تبني وتنمو، والآخر منطق ما زال يرى النفوذ في الصواريخ والحروب بالوكالة وتوسيع ساحات الصراع.