خالد العضاض

للباحث حضوره الذي نكتشفه حينما نقترب من التفاصيل: عند وثيقة يعيد قراءتها، أو نسبة يراجعها، أو مفهوم يصوغه على قدر الظاهرة التي يدرسها، هناك تتكون شخصية العمل العلمي، وتظهر المسافة التي قطعها صاحبه في بناء معرفته، وفي كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية»، تقدم لطيفة الشعلان أمثلة تستحق التوقف؛ لأنها تتيح لنا أن نرى المعرفة وهي تتشكل، وأن نلمس أثر الاختصاص في السؤال والاستدلال والحكم.

وقد وقفنا في المقالين السابقين عند المدخل النفسي وما أتاحه من فهم للمعنى والعزلة والفناء، ويقودنا ذلك إلى تأمل الجهد الذي حمل هذا التفسير: كيف بنت المؤلفة مادتها؟ وكيف تعاملت مع الدراسات التي سبقتها؟ وكيف حافظت على استقلالها وهي تستعين بمرجعية نظرية لها وزنها؟ وفي الإجابة عن هذه الأسئلة يظهر وجه آخر من قيمة الكتاب، تتجاور فيه مهارة التحقيق وخصوبة النظر.

تبدأ إحدى الإضافات المهمة من مراجعة رسائل جماعة جهيمان، فتذكر الشعلان أن ما أمكنها حصره يبلغ ست عشرة رسالة، وتناقش التقدير الذي أورده هيغهامر ولاكروا باثنتي عشرة، وترد التفاوت، على سبيل الترجيح، إلى إغفال بعض الرسائل أو الركون إلى مصادر ثانوية تتناقل المعلومات، ثم تحدد مادتها المعتمدة في الرسائل المحفوظة بمكتبة جامعة إكستر، مع التنبيه إلى رسالة مفقودة عنوانها «مختصر الحسنة والسيئة»، وتتيح هذه العودة إلى المادة الأصلية مراجعة الحصر والعناوين والنِّسب.

وتكشف المؤلفة أن إحدى عشرة رسالة تخص جهيمان، فيما تعود خمس إلى آخرين من جماعته، وأهمية هذا التفصيل تتصل مباشرة بسلامة التفسير؛ فحين نبحث في تكوين شخص وطرائق تفكيره، يصبح تحديد ما كتبه بنفسه وما كتبه المحيطون به خطوةً حاسمة، فالتمييز بين صوت الفرد وأصوات الجماعة يمنح التحليل موضوعًا أكثر ضبطًا، ويعين على تقدير ما يمكن نسبته إلى صاحبه من أفكار ومواقف.

ومن أدق أمثلة عملها مناقشة نص «سبب الخروج عن الصراط المستقيم»، الذي عامله كول بونزل بوصفه رسالة مستقلة، فتفحص لطيفة الشعلان بناءه، فتلاحظ غياب الاستهلال المعتاد في سائر الرسائل، وقصر حجمه، وموضع إلحاقه بالنص السابق عليه، وتعرض احتمال سقوط الاستهلال، ثم ترجح احتمال كونه فصلًا من متن آخر أُلحق بهذا الموضع فأوهم باستقلاله، وهنا نرى الاستدلال قائمًا على خصائص الوثيقة نفسها، ونرى الاحتمال معلنًا بدرجته، بما يتيح للقارئ متابعة الطريق الذي سلكته الباحثة إلى ترجيحها.

ويمتد هذا الحرص إلى تقدير أحجام الرسائل، فتوضح المؤلفة أن خصائص طباعتها وتداخل مسافاتها جعلت التقديرات الرقمية الآلية عرضةً لهامش خطأ مرتفع، فتشرح اعتمادها تقديرًا إحصائيًا يدويًا يقوم على عدد الكلمات في عينات من السطور، مع مراعاة العناوين والسطور الناقصة، ويُظهر إعلان الطريقة كيف تعاملت مع صعوبة مادتها، ويجعل الرقم التقريبي مفهوم الأساس والحدود.

في هذه التفاصيل يتضح مقدار العناية التي سبقت التفسير، فالوثيقة تحمل تاريخ تداولها، وآثار ترتيبها، واحتمالات اختلاف نسبتها، وكل ذلك يؤثر في المعرفة المستخرجة منها، وأحسب أن من أهم ما يقدمه الكتاب هذا الاتصال بين تحقيق المادة وبناء الدلالة؛ إذ يمنح القارئ فرصة أن يرى الأساس الذي أقيم عليه التحليل، وأن يقدر العمل الذي استلزمه الوصول إليه.

وتظهر شخصية المؤلفة بالوضوح نفسه في علاقتها بإرفين يالوم، فهي تستعين بإطاره الوجودي، وتناقش أحكامه إذا استوجب الأمر، ومن الأمثلة موقفها من تفسيره إهمال فرويد للموت بطموحه إلى المجد الشخصي؛ إذ تعيد النظر إلى المناخ العلمي الذي صاغ أدوات فرويد، وإلى الحتمية المادية السائدة في عصره، وتلفت إلى بقاء أثر نموذجه الديناميكي في عمل يالوم نفسه، مع اختلاف المحتوى واتجاه النظر، إنها تقرأ المرجعية في تاريخها، وتحتفظ بحقها في وزن تفسيراتها.

ويزداد هذا الاستقلال وضوحًا حينما تناقش الأفكار الأبيقورية التي يتبناها يالوم في مواجهة قلق الفناء، حيث ترى لطيفة الشعلان أن الرعب الوجودي خبرة معاشة، وأن التعامل معه بوصفه مفهومًا يعالج بالمحاججة العقلية قد يعجز عن ملامسة جوهره، فالمكابدة النفسية لا تُستنفد بمعرفة الحجة أو فهمها، وقد يدرك الإنسان قولًا ثم يظل خوفه قائمًا، وفي هذا التمييز تظهر حساسية المتخصصة تجاه الفارق بين الفكرة كما تُشرح والخبرة كما تُعاش.

وحتى اختيار المصطلح يحمل أثر هذه العناية، ففي أحد الهوامش تشرح المؤلفة اعتماد «قلق الفناء» في تحليلها الخاص، وإبقاء «قلق الموت» عند عرض أطروحات يالوم، وتصل اختيارها بتعقيد تجربة جهيمان، بما يشمل رعب بطلان اليقين الذي منح وجوده معناه، وهذا الضبط يتيح للقارئ معرفة موضع انتقالها من عرض النظرية إلى بناء تفسيرها، ويجعل اللغة مشاركةً في إنتاج المعرفة.

تجمع هذه الأمثلة خيطًا واضحًا: للباحثة موقف فعال من مصادرها وأدواتها، فهي تحقق المادة التي تقرؤها، وتميز درجات استدلالها، وتناقش النظرية التي تستعين بها، وتكيف مفاهيمها مع خصوصية موضوعها، ومن هذا العمل المتصل تنشأ قيمة تستحق الاحتفاء؛ إذ يصبح الكتاب شاهدًا على قدرة الاختصاص السعودي على الإسهام في معرفة تاريخه، وعلى محاورة المعرفة الإنسانية من موقع المشاركة في بنائها.

إن تقدير لطيفة الشعلان يجد حجته في هذه الممارسة العلمية نفسها، ففي كل نسبة تضبطها، وتفصيل تستنطقه، ومفهوم تحدد مداه، يتسع ما يمكن أن نعرفه عن الموضوع، ويمنحنا «الغريب» بذلك ثمرةً أخرى إلى جانب تفسير الجهيمانية: مثالًا على استقلال الباحث، عندما تكون صلته بالمراجع صلةَ فحص وفهم وحوار، ومن هذا الاستقلال تستمد المعرفة قدرتها على أن تضيف، ويستمد احتفاؤنا بالكتاب عمقه ومعناه.