محمد الخميسي

تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بشكل غير مسبوق، حادثة بكاء الكاتب الجزائري " حامد ياسين"؛ وذلك عندما حضر إلى القاعة لتدشين كتابه، فوجدها فارغة، ليس فيها إلا صديق له، فأجهش بالبكاء. وجاءت ردود فعل الشارع الثقافي تطالب بتحليل الحادثة وأسباب غياب الجمهور، وكانت عاطفية في مجملها؛ إذ إن التحليل الحقيقي لا يخص الجماهير، وإنما الكاتب نفسه.

هذه الرغبة القوية لدى الكاتب في أن تكون له قاعدة جماهيرية هي ذاتها بحاجة إلى تحليل. أليس الحكيم هو مَن يهرب من الناس؟

فلماذا يتوسلهم هذا الكاتب؟ أليس في غياب الجمهور دائمًا راحة بال، وفي حضورهم إزعاج وانشغال للذهن؟

لماذا وصل المثقف العربي إلى هذه الدركات من الشعبوية؟

لا أتحدث عن حامد ياسين تحديدًا، وإنما عن ظاهرة استجداء الجماهير؛ فقد برزت هذه الحادثة، ويبدو أنها تمثل شريحة واسعة من المثقفين العرب، وربما غير العرب.

صحيح أن الوصول إلى القراء حق مشروع، ولكن، في حال عدم النجاح في الوصول إليهم، قد يكون ذلك هو النجاح الأكبر والغنيمة الأوفر؛ فالمؤلف يجب أن يجعل كتبه تذهب إلى الناس، ويبقى هو في عزلته وهدوئه.

بكاء حامد ياسين - مع كل الاحترام والتقدير له - لهو دليل على سقوط المثقف العربي، ولا أعمّم طبعًا. ث

م ماذا سيبقى من استقلال الفكر إذا كان تصفيق الجمهور شرطًا يصوغ الكاتب فكرته على أساسه؟ وهل هتاف الجماهير دليل على صحة الفكرة؟! ألا يمكن أن يكون العكس هو الصحيح، أي أن يكون تصفيق الجمهور دليلًا على ضعفها؟

على الحكيم أن يتحرر من سلطة الجماهير، وألّا يستجدي اعترافها وحضورها.

لا أنكر أن التواصل مع القراء جزء من رسالة الكاتب، ولكن إن لم يجد مَن يتواصل معه، ففي ذلك كل الخير.

فقد يكون قارئ واحد يمتلك عينًا ناقدة، أفضل لك من مئات المصفقين في القاعات.