عبدالكريم بن دهام الدهام

لم تكن جائزة الملك سلمان لأبحاث الإعاقة يوماً مجرد محفل عابر لتوزيع الدروع، بل هي وثيقة عهد صاغتها دولة جعلت من بناء الإنسان وتذليل الصعاب أمامه ضرورة وجودية؛ في عالم يتطلع إلى وميض المعرفة ونور الأمل كتطلعه إلى قطرات الماء ونسمات الهواء.

ومع كل دورة تنبثق، نفتح نافذة جديدة تُشرع على عبقرية العقل البشري؛ حيث تلتقي العقول والمختبرات تحت مظلة الجائزة بروح وثابة، تمتلك شغفاً وحساً إنسانياً نبيلاً، يشبه تماماً ملكة الفراشات وهي تتلمس مسارات الشذى في قلب الزهر لتزرع الحياة في دروب الصمت والنسيان.

هذه المسيرة تمثل مهراً حضارياً وإنسانياً تقدمه المملكة، لتمد نفوذ الخير بقوة الحجة والبرهان، ورهافة العطاء العلمي، وجزالة الشراكة مع الآخر الثقافي والطبي. أحلامها تمتد إلى ما وراء الآفاق، وأمنياتها تسابق الأفكار المبتكرة التي تسكن عقول باحثيها؛ صانعة مشاعر سعودية راسخة حولت التحديات الجسدية إلى جسور عبور ورفعة لا محطات وقوف وانكفاء، وهي ميزة حفرتها المملكة في وجدان التاريخ برؤية فريدة لا شبيه لها.

ارتوت الجائزة التي احتفينا بدورتها الرابعة مؤخراً من فيض اسمٍ ملك بمواقفه الإنسانية ألباب العالم؛ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ أيده الله ـ الذي نقشت أياديه البيضاء في الوجدان البشري بصمات غائرة الجمال، كما تتجلى لوحة الطبيعة بألوانها الزاهية في ثنايا ريش النعام، لترسم ملامح الفرح على وجوه أضناها الانتظار. مسيرة ممتدة من العطاء المستدام، زخرفت فضاءات البحث العلمي بثقة عمياء، ورؤى ثاقبة، وأحلام راسخة تدون الفصيل الأول من قصة وطن نهض بسردية العزم؛ وطن لا يمكن أن يثمر إلا جائزة بوزن وعظمة هذا الاسم، وللإنسان المكافح في ضميرنا آية إجلال تملأ الأفق رحمة وتلاحماً.

وفي الذاكرة الحية، تتراءى صورة صرح أسورته حكمة سلمان، وفصوله توجيهاته السديدة وحثه المستمر للعلماء والأجيال بأن يغوصوا في بحار المعرفة، ويستخرجوا من مكنون البحث ما يملأ العقل حكمة وينير عتمة الدروب. إنها رحلة تميز لجائزة اخترقت الفضاء العالمي بأيدي رجال آمنوا بأن الكلمة المكتوبة في ورقة بحثية هي فتح حقيقي يربط الذات بالآخر، وأن اقتران الجائزة برائد النهضة الإنسانية هو توطيد لعلاقة مقدسة بين العلم والرحمة؛ ينساب عبرها البحث الطبي كجدول عذب يتسلل في عروق الإنسانية، كما تمضي الموجة بلطف في خصلات الرمال، وكمثل نخلة شامخة تجود بظلها وتمرها وهي تعانق عنان السماء، أو وردة تذكي عطرها لتمسح به على جبين من تحدوا الصعاب بعزيمة لا تلين.

جائزة الملك سلمان لأبحاث الإعاقة، التي استقبلت 770 ترشيحاً من 111 دولة موزعة على ست قارات، وكرّم الأمير فيصل بن بندر الفائزين بها، هي إبحار في محيطات البذل، ورحلة في فلك المستقبل، نستشعر دبيب أثرها من بياض الفكرة حتى تمام النتيجة وفرحة الشفاء. إنها ترانيم من الشغف والعطاء يتردد صداها في قلوب المنتمين إلى الحياة والباحثين عن فجر جديد؛ أولئك الذين يرون في الجائزة رمزية لصانع مجد دولة يقودها نحو العلياء لتبلغ مبلغ الشمس، حيث تصافح الغيم، وتمضي حقباً نحو رايات المجد، حاملة اسم سلمان الخير، برحمته وبصيرته، وإيمانه المطلق بأن العالم لا يكتمل بهاؤه إلا حين يغدو مكاناً يحتضن الجميع برفق، ويزهر بالتمكين والكرامة.