سالم بن محمد آل جفشر

بعض المديرين يريد صلاحية كاملة ومسؤولية معدومة فإذا نجح القرار تصدر الصورة، وإذا تعثر اختبأ خلف الشيوخ أبخص، وكأن توقيعه حبر سري يظهر عند توزيع المكاسب ويختفي عند حضور الأسئلة، والخطورة هنا أن المدير لا يتهرب من تفسير قراره فحسب بل يحمل سمعة المسؤول الأعلى كلفة اجتهاده الشخصي.

" الشيوخ أبخص" تعني الأعلم والأدرى، وتحمل معنى التقدير لأهل الخبرة، لكنها حين تستخدم لإغلاق الحوار تصبح عبارة محترمة في خدمة ممارسة مرتبكة، فاحترام القيادة لا يمنح المدير حق نسبة كل تعقيد إليها ولا يحول السؤال عن الإجراء إلى تجاوز في الأدب، فالناس تطلب معلومة لا درسا في الصمت.

لنتخيل مديرا يتلقى توجيها بتسهيل معاملة فيضيف لجنة ونموذجا وموافقة ثم موافقة على الموافقة، وحين يسأل عن هذا التسهيل الذي يحتاج إلى رحلة استكشافية يجيب الشيوخ أبخص، وهكذا يصنع المتاهة بيده ثم يعلق عند مدخلها اسم المسؤول الأعلى، ويطلب من المتضرر أن يشكره على حسن التنفيذ.

اتصاليا تستبدل الشيوخ أبخص قوة المعلومة بقوة الإيحاء فهي لا تشرح القرار وإنما توحي بأن مواصلة السؤال اعتراض على مرجعية أعلى، وهنا يخلط المدير بين إقناع المتلقي وإحراجه وبين احترام السلطة واستعارتها، وقد ينجح في إنهاء الحديث لكنه يخسر الثقة، فسكوت المستفيد لا يعني اقتناعه وربما كان بداية شكواه.

والأشد ضررا أن يسمع المسؤول الأعلى تقارير مطمئنة، بينما يسمع المستفيد أن توجيهاته سبب التعقيد، فتظهر المنظمة بلسانين وتدفع سمعتها ثمن التناقض، وتصبح الشيوخ أبخص وسيلة لحجب الملاحظات عمن يحتاجها وإبعاد المسؤولية عمن يستحقها، وأي ثناء على يفقد قيمته حين يقترن بنسبة أخطاء التنفيذ إليها.

وفي ظل توجهات الحوكمة التي يقودها سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأهداف برنامج الملك سلمان لتنمية الموارد البشرية في رفع كفاءة العمل الحكومي، ينبغي أن تضيق مساحة الاحتماء بعبارة الشيوخ أبخص، فالإدارة المهنية تحتاج إلى صلاحيات واضحة وقرارات موثقة ومساءلة تحدد دور كل طرف وتمنع اختفاء صاحب الاجتهاد خلف اسم صاحب السلطة.

والمدير الواثق يبين ما وجه به وما أضافه وما يحتاج إلى مراجعة، فإن جهل أجاب بصدق ثم بحث عن المعلومة ولا يستدعي الشيوخ أبخص ليمنح جهله حصانة، وليس كل قرار متعثر دليلا على الفشل لكن إخفاء أسبابه وتعطيل مراجعته يضاعفان الضرر ويحرمان المنظمة فرصة التعلم والتصحيح.

الشيوخ أبخص عبارة لها احترامها فلا تجعلوها ممحاة للمسؤولية، فالوفاء للمسؤول الأعلى يبدأ بأمانة ما ينسب إليه، وشجاعة تحمل نتائج الاجتهاد، والاتصال الناجح يفتح طريق الفهم ولا يغلقه باسم الهيبة، ومهما أجدت رفع النظر إلى من فوقك ستعيدك الوثيقة إلى موضعك، فالصلاحية لك والمسؤولية عليك والتوقيع توقيعك.