جازان: رمزي حوباني

كشف الأخصائي النفسي الدكتور علي حمد دغريري، عن استقباله عدة أسر في عيادته طلبت المشورة بشأن استخدام أبنائها للتقنية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي خصوصًا، بعدما تجاوز قلقها عدد ساعات الاستخدام إلى طبيعة العلاقة التي يبنيها الأطفال مع هذه التطبيقات. وأوضح أن بعض الوالدين لاحظوا لجوء أبنائهم إلى المحادثات الآلية للحديث عن همومهم وأسئلتهم الخاصة، بالتزامن مع تراجع التواصل الأسري، مشيرًا إلى أن هذه الملاحظات لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، ولا تكفي للحكم على انتشار الظاهرة.

وتكشف إفادات الأسر عن تحدٍّ جديد أمام الوالدين، يتمثل في تحديد اللحظة التي ينتقل فيها استخدام الطفل للذكاء الاصطناعي من الاستفادة التعليمية والترفيهية إلى اعتماد عاطفي يستدعي التدخل.

4 معايير

حدد دغريري أربعة جوانب تساعد الأسرة على التمييز بين الاستخدام المعتاد ومؤشرات التعلق العاطفي، تبدأ بالدافع إلى استخدام التطبيق، مرورًا باللغة التي يتحدث بها الطفل عنه، ورد فعله عند التوقف، وصولًا إلى مكانة التطبيق في حياته اليومية.

وأوضح أن الاستخدام المعتاد يرتبط بتحقيق غرض محدد، مثل الاستفسار عن واجب أو طلب قصة، بينما يستحق الأمر الانتباه عندما يصبح التطبيق المصدر الأساسي للراحة عند الشعور بالوحدة أو الضيق.

أما وصف الطفل للتطبيق بأنه صديق حقيقي أو أحد أفراد الأسرة، فيحتاج إلى فهم عمره وسياق حديثه، ولا يُعد بمفرده دليلًا على مشكلة نفسية.

ويظهر الفرق كذلك عند التوقف عن الاستخدام؛ فالطفل الذي يتعامل مع التطبيق باعتباره أداة يستطيع عادة العودة إلى أنشطته المعتادة، بينما قد تظهر لدى الطفل المتعلق به انفعالات ملحوظة عند انقطاع المحادثة.

متى تتدخل الأسرة؟

أوضح دغريري أن تزايد الاستخدام خلال ساعات الليل، وإخفاء المحادثات بصورة متكررة، وتفضيل التطبيق على اللعب مع الأقران، مؤشرات تستدعي الحوار والمتابعة، لا إصدار أحكام فورية.

وأكد أن مراجعة الأخصائي النفسي تصبح ضرورية للتقييم عندما تستمر المؤشرات رغم جهود الأسرة، أو تؤثر في حياة الطفل اليومية، خصوصًا إذا صاحبها انسحاب من الأسرة والأصدقاء، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المحببة، أو تغيرات ملحوظة في النوم والشهية والمزاج والأداء الدراسي. وأشار إلى أن الغضب الشديد أو الاضطراب الانفعالي الحاد عند إيقاف الاستخدام، والاعتقاد بأن التطبيق كائن حقيقي يبادل الطفل الحب أو يحتاج إليه، من العلامات التي تستدعي مزيدًا من الانتباه والتقييم وفق عمر الطفل وظروفه.

وحذر من اتباع نصائح ضارة تتعلق بالجسد أو الغذاء أو السلامة، مؤكدًا ضرورة التعامل بجدية مع أي حديث عن إيذاء النفس أو اليأس أو الموت، وطلب المساعدة المتخصصة دون تأخير، أو المساعدة الطارئة عند وجود خطر مباشر.

أسرار بلا مقاطعة

فسر دغريري انجذاب بعض الأطفال إلى المحادثات الآلية بإمكانية التعبير عن مشاعرهم دون مقاطعة أو لوم، والحصول على استجابة في أي وقت. وأشار إلى أن تفضيل الطفل الحديث مع التطبيق بدلًا عن والديه لا يعني بالضرورة وجود تقصير أسري، لكنه يستدعي فهم الأسباب التي تدفعه إلى هذا الاختيار.

ودعا الوالدين إلى مراجعة طريقة استقبالهما لحديث الطفل عن مشاعره، والإصغاء قبل تقديم النصائح، وتجنب تحويل اكتشاف المحادثات الخاصة إلى مواجهة أو استجواب. وأكد أهمية تخصيص وقت منتظم لكل طفل للحديث على انفراد، وإتاحة التواصل مع شخص بالغ موثوق أو موجه طلابي إذا وجد صعوبة في البوح لوالديه.

حدود المنع

حذر دغريري من التعامل مع التعلق بالتطبيقات عبر المنع المفاجئ بوصفه عقوبة، موصيًا بتنظيم الاستخدام تدريجيًا وفق عمر الطفل واحتياجاته، مع تعزيز الأنشطة والعلاقات خارج الشاشة.

وأوضح أن المطلوب ليس حرمان الأطفال من التقنية، بل تعليمهم أن التطبيقات تولّد استجابات تحاكي الحوار الإنساني، دون أن تمتلك مشاعر بشرية أو تكون بديلًا عن الأشخاص القادرين على تقديم الرعاية والمساندة. كما شدد على أهمية معرفة الوالدين بطبيعة التطبيقات التي يستخدمها أبناؤهم، وتوعيتهم بعدم مشاركة المعلومات الشخصية أو الأسرية الحساسة، وعدم التعامل مع النصائح الآلية باعتبارها حقائق مؤكدة.

ملاحظات لا تشخيصات

ميز دغريري بين القلق الأسري من الاستخدام وبين تشخيص التعلق العاطفي، موضحًا أن الحالات التي رصدها خلال عمله العيادي تمثل ملاحظات مهنية لا تكفي وحدها لإثبات انتشار المشكلة في المجتمع.

وأكد أن تقييم حالة الطفل يتطلب النظر إلى مجموعة من المؤشرات، ومدى استمرارها وتأثيرها في النوم والدراسة والعلاقات والأنشطة اليومية، بدلًا من الاعتماد على مدة استخدام التطبيق أو وصفه بأنه صديق.

ويرى أن التعامل مع هذه المخاوف يبدأ بفهم احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية، وتوفير علاقة أسرية تمنحه فرصة للتعبير وطلب المساعدة، دون أن تصبح المحادثات الآلية وسيلته الأساسية للحصول على الدعم.

أخصائي نفسي يستقبل أسرًا قلقة من استخدام أبنائها للذكاء الاصطناعي.

أربعة معايير للتمييز بين الاستخدام المعتاد والتعلق العاطفي.

الدافع واللغة ورد الفعل ومكانة التطبيق تحدد طبيعة العلاقة.

إخفاء المحادثات والاستخدام الليلي مؤشرات تستدعي المتابعة.

الانسحاب الاجتماعي واضطرابات النوم وتراجع الدراسة تستدعي التقييم عند استمرارها.

وصف التطبيق بالصديق لا يكفي وحده لتشخيص التعلق.

المنع المفاجئ قد لا يكون الاستجابة المناسبة للمشكلة.

الملاحظات العيادية لا تثبت انتشار الظاهرة محليًا.