صفّق الحضور طويلًا في قاعة الملتقى الوطني للتميز المدرسي «تميّز 2026» بالرياض هذا الأسبوع، و659 مدرسة من مختلف مناطق المملكة تصعد إلى المنصة لتتسلم دروعها، فيما أعلن وزير التعليم أن أكثر من 14 ألف مدرسة بلغت مستويات التميز والتقدم. كنت بين الحضور أقلّب صفحات «السجل الوطني للتميز المدرسي 2026»، وأشعر بفخر يصعب وصفه، فتلك اللحظة تختصر سنوات من العمل الصامت في الميدان. ووسط التصفيق، عاد إلى ذهني سؤال ناقشناه طويلًا في مقرر الجودة والتقويم والاعتماد المدرسي، سؤال يطرحه الباحثون في كل أنظمة التعليم حول العالم:
هل يمكن أن تحقق المدرسة مؤشرات مرتفعة دون أن تكون مدرسة جيدة فعلًا؟
السؤال ليس افتراضيًا، فالتجارب الدولية تقدم له إجابات موجعة. ففي تشيلي، كشفت دراسة نُشرت عام 2020 أن بعض المدارس رفعت متوسط نتائجها في الاختبارات الوطنية بطريقة بسيطة،غاب الطلاب الأضعف أداءً يوم الاختبار. لم يتعلم أحد شيئًا جديدًا، ولم يتحسن صف واحد، لكن المتوسط ارتفع وبدت المدرسة في التقرير أجمل مما هي عليه.
في الصين، وثّقت دراسة أخرى عام 2023 ما سمّاه الباحثون «تجميل الواجهة»، حين تُنفق الجهود على ما يراه المفتش يوم الزيارة لا على ما يبقى بعد رحيله. ويفسر علماء الاجتماع هذه الظاهرة بما يعرف بـ«قانون كامبل»، ومفاده أنه كلما اعتمدنا على مؤشر رقمي واحد في اتخاذ القرار، زادت الضغوط لتحريفه وقلّت قدرته على قول الحقيقة. والطالب هو أول من يدفع الثمن، إذ وجدت دراسة أوروبية حديثة شملت 1855 طالبًا أن التدريس من أجل الاختبار يرتبط بتراجع الدافعية للتعلم، فقد تربح المدرسة درجة في التقرير وتخسر طالبًا كان يحب أن يتعلم.
غير أن ما يبعث على الطمأنينة أن النموذج السعودي لم يُبنَ على رقم واحد. فالبرنامج الوطني للتقويم والتصنيف والاعتماد المدرسي، الذي تقوده هيئة تقويم التعليم والتدريب، ينظر إلى المدرسة من زوايا متعددة: إدارتها المدرسية، وما يجري في صفوفها من تعليم وتعلم، ونواتج تعلم طلابها، وبيئتها المدرسية.
يبدأ التقويم من داخل المدرسة نفسها عبر التقويم الذاتي، ثم يكتمل بزيارات تقويم خارجية، فتغدو نتيجة الاختبار جزءًا من الصورة لا الصورة كلها. واللافت أن هذا هو ما تتجه إليه الأنظمة العالمية اليوم؛ فإنجلترا، صاحبة أحد أقدم أنظمة التفتيش المدرسي، قررت في سبتمبر 2025 التخلي عن الحكم على المدرسة بكلمة واحدة، واعتمدت بطاقات تقارير متعددة المجالات. وكأن العالم يصل اليوم إلى قناعة بنت عليها المملكة نموذجها منذ البداية: أن جودة المدرسة تُرى في قيادتها وممارساتها اليومية وبيئتها، بقدر ما تُرى في نتائج طلابها.
وما بنيناه ثمين، والحفاظ عليه مسؤولية مشتركة. ولعل أول ما يعين على ذلك أن نقرأ المؤشرات مجتمعة لا منفردة، فنتيجة «نافس» تزداد دلالة حين توضع بجوار نسبة المشاركة فيها، واتجاه النتائج عبر السنوات، والمناخ المدرسي. ثم أن نحتفي بالتقدم كما نحتفي بالمستوى، فالمدرسة التي تستقبل طلابًا متأخرين وترفعهم خطوات واسعة تستحق أن تُروى قصتها، وهو ما تتيحه مقاييس «القيمة المضافة» التي تقيس ما أضافته المدرسة لا ما جاء به الطالب إليها. ويبقى التقويم الذاتي في أفضل صوره أداة تعلم لا ملف زيارة، يزدهر حين يشعر فريق المدرسة بالأمان وهو يكتب نقاط قوته وضعفه بالصدق نفسه. وأخيرًا، فإن أصوات الطلاب والمعلمين والأسر وأعمالهم شواهد لا تقل قيمة عن الجداول والأرقام.
غادرت الملتقى متفائلة، فالمدارس التي صعدت إلى المنصة لم تنل دروعها من رقم واحد، بل من رحلة تقويم شاملة، وأمنيتي أن نروي حكاياتها كاملة:
من أين بدأت، وكيف تغيّر صفّ، وماذا تعلّم طلابها فعلًا. فخلف كل درع أيادٍ تكاتفت، قيادة تُلهم، ومعلمون يبذلون، وأسر تساند، وطلاب يجتهدون.
تلك هي الحكاية الحقيقية خلف الرقم، والتميز الحقيقي لا يخاف من الأرقام، لأنه يعرف تمامًا ما وراءها.
هل يمكن أن تحقق المدرسة مؤشرات مرتفعة دون أن تكون مدرسة جيدة فعلًا؟
السؤال ليس افتراضيًا، فالتجارب الدولية تقدم له إجابات موجعة. ففي تشيلي، كشفت دراسة نُشرت عام 2020 أن بعض المدارس رفعت متوسط نتائجها في الاختبارات الوطنية بطريقة بسيطة،غاب الطلاب الأضعف أداءً يوم الاختبار. لم يتعلم أحد شيئًا جديدًا، ولم يتحسن صف واحد، لكن المتوسط ارتفع وبدت المدرسة في التقرير أجمل مما هي عليه.
في الصين، وثّقت دراسة أخرى عام 2023 ما سمّاه الباحثون «تجميل الواجهة»، حين تُنفق الجهود على ما يراه المفتش يوم الزيارة لا على ما يبقى بعد رحيله. ويفسر علماء الاجتماع هذه الظاهرة بما يعرف بـ«قانون كامبل»، ومفاده أنه كلما اعتمدنا على مؤشر رقمي واحد في اتخاذ القرار، زادت الضغوط لتحريفه وقلّت قدرته على قول الحقيقة. والطالب هو أول من يدفع الثمن، إذ وجدت دراسة أوروبية حديثة شملت 1855 طالبًا أن التدريس من أجل الاختبار يرتبط بتراجع الدافعية للتعلم، فقد تربح المدرسة درجة في التقرير وتخسر طالبًا كان يحب أن يتعلم.
غير أن ما يبعث على الطمأنينة أن النموذج السعودي لم يُبنَ على رقم واحد. فالبرنامج الوطني للتقويم والتصنيف والاعتماد المدرسي، الذي تقوده هيئة تقويم التعليم والتدريب، ينظر إلى المدرسة من زوايا متعددة: إدارتها المدرسية، وما يجري في صفوفها من تعليم وتعلم، ونواتج تعلم طلابها، وبيئتها المدرسية.
يبدأ التقويم من داخل المدرسة نفسها عبر التقويم الذاتي، ثم يكتمل بزيارات تقويم خارجية، فتغدو نتيجة الاختبار جزءًا من الصورة لا الصورة كلها. واللافت أن هذا هو ما تتجه إليه الأنظمة العالمية اليوم؛ فإنجلترا، صاحبة أحد أقدم أنظمة التفتيش المدرسي، قررت في سبتمبر 2025 التخلي عن الحكم على المدرسة بكلمة واحدة، واعتمدت بطاقات تقارير متعددة المجالات. وكأن العالم يصل اليوم إلى قناعة بنت عليها المملكة نموذجها منذ البداية: أن جودة المدرسة تُرى في قيادتها وممارساتها اليومية وبيئتها، بقدر ما تُرى في نتائج طلابها.
وما بنيناه ثمين، والحفاظ عليه مسؤولية مشتركة. ولعل أول ما يعين على ذلك أن نقرأ المؤشرات مجتمعة لا منفردة، فنتيجة «نافس» تزداد دلالة حين توضع بجوار نسبة المشاركة فيها، واتجاه النتائج عبر السنوات، والمناخ المدرسي. ثم أن نحتفي بالتقدم كما نحتفي بالمستوى، فالمدرسة التي تستقبل طلابًا متأخرين وترفعهم خطوات واسعة تستحق أن تُروى قصتها، وهو ما تتيحه مقاييس «القيمة المضافة» التي تقيس ما أضافته المدرسة لا ما جاء به الطالب إليها. ويبقى التقويم الذاتي في أفضل صوره أداة تعلم لا ملف زيارة، يزدهر حين يشعر فريق المدرسة بالأمان وهو يكتب نقاط قوته وضعفه بالصدق نفسه. وأخيرًا، فإن أصوات الطلاب والمعلمين والأسر وأعمالهم شواهد لا تقل قيمة عن الجداول والأرقام.
غادرت الملتقى متفائلة، فالمدارس التي صعدت إلى المنصة لم تنل دروعها من رقم واحد، بل من رحلة تقويم شاملة، وأمنيتي أن نروي حكاياتها كاملة:
من أين بدأت، وكيف تغيّر صفّ، وماذا تعلّم طلابها فعلًا. فخلف كل درع أيادٍ تكاتفت، قيادة تُلهم، ومعلمون يبذلون، وأسر تساند، وطلاب يجتهدون.
تلك هي الحكاية الحقيقية خلف الرقم، والتميز الحقيقي لا يخاف من الأرقام، لأنه يعرف تمامًا ما وراءها.