فالوجهة السياحية تحتاج إلى وسائل وصول مناسبة، والمنشأة الصناعية تحتاج إلى حركة إمداد موثوقة، والمريض في منطقة بعيدة قد يحتاج إلى نقل جوي للوصول إلى الرعاية المتخصصة. هذه الاحتياجات توضح أهمية تطوير قطاع الطيران، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص لتقديم خدمات تستند إلى طلب فعلي وعائد يمكن تقييمه.
لكن التخصيص لا يأخذ شكلًا واحدًا. فنقل ملكية شركة طيران يختلف عن منح امتياز لتطوير مطار وتشغيله، وعن إسناد خدمة جوية إلى مشغّل متخصص. ويتوقف اختيار النموذج على طبيعة النشاط، والاستثمار المطلوب، والمخاطر التي يستطيع كل طرف تحملها، مع تحديد مسؤولية الحكومة في التنظيم والرقابة وضمان استمرار الخدمات العامة.
في كرواتيا، شمل عقد امتياز مطار زغرب، ومدته 30 عامًا، تمويل مبنى جديد للركاب وإنشائه وتشغيل المطار. وافتُتح المبنى في مارس 2017، ضمن استثمارات تجاوزت 300 مليون يورو في المرحلة الأولى، وتضمن أنظمة لمناولة الأمتعة وثمانية جسور لصعود الركاب إلى الطائرات. وتقدم التجربة مثالًا على تحويل الشراكة إلى تطوير فعلي في مرافق المطار، بما يدعم دوره في خدمة السياحة والأعمال.
وفي اليونان، تولت «فرابورت اليونان» تطوير 14 مطارًا إقليميًا ضمن عقود امتياز، باستثمارات بلغت 440 مليون يورو. واكتملت الأعمال في يناير 2021 قبل الموعد التعاقدي. وتستحق هذه التجربة النظر لأن التطوير شمل مطارات موزعة على عدة وجهات، وهو ما يربط الاستثمار في الطيران بتنمية المناطق التي تخدمها تلك المطارات. كما يقدم إنجاز الأعمال المتفق عليها نتيجة واضحة يمكن الاستناد إليها عند تقييم الشراكة.
أما النرويج، فتقدم نموذجًا يخص الإسعاف الجوي، حيث تُموّل الخدمة حكوميًا، وتوفر المستشفيات الأطباء والكوادر التمريضية، بينما يُطرح التشغيل الجوي في منافسات لمشغّلين متخصصين. وبحسب الجهة الوطنية المسؤولة، تخدم المنظومة نحو 20 ألف مريض سنويًا، وتضم 14 مروحية موزعة على 13 قاعدة، وعشر طائرات ثابتة الجناح في سبع قواعد. وهنا تبقى المسؤولية الطبية والتمويل لدى القطاع العام، مع إسناد تشغيل الطائرات إلى جهات متخصصة.
وما يلفت النظر في هذه التجربة هو وضوح توزيع المسؤوليات. فالجهة الصحية تتولى القرار الطبي والرعاية، ويؤدي مشغّل الطيران مهامه ضمن منظومة مرتبطة بالمستشفيات ومراكز التنسيق. وهذا التنظيم مهم في خدمة يتوقف أداؤها على تعاون عدة أطراف، ويحتاج استمرارها إلى تمويل للجاهزية، حتى عندما ينخفض عدد الرحلات في بعض المواقع.
وتفتح الطائرات المروحية مجالات أخرى للمشاركة الخاصة. ففي السياحة، يمكن تطوير خدمات تربط المطارات بالمنتجعات والوجهات البعيدة، إلى جانب الرحلات الترفيهية. وفي نقل الركاب، يمكن دراسة مسارات تخدم مواقع الأعمال أو المناطق التي تستفيد من اختصار زمن الوصول. ويتوقف نجاح هذه الخدمات على حجم الطلب، وموقع المهابط، وسهولة الانتقال منها وإليها، والسعر الذي يستطيع المستفيد تحمله.
وتظهر أهميتها أيضًا في الأعمال اللوجستية، فنقل فريق فني أو قطعة غيار عاجلة إلى موقع بعيد قد يساعد في استعادة التشغيل وتجنب استمرار التعطل. لذلك ينبغي أن تشمل دراسة الجدوى تكلفة الانتظار والبدائل المتاحة، إلى جانب تكلفة الرحلة. فالخدمة التي تبدو مرتفعة التكلفة قد تكون مناسبة لمهمة محددة، بينما لا تحقق الجدوى نفسها في استخدام آخر.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لنمو هذه الأنشطة أن يدعم الطلب على الصيانة والتدريب وإدارة المهابط والخدمات المساندة. لكن بناء هذه القدرات يحتاج إلى وضوح في الفرص واستقرار نسبي في الأعمال، حتى يتمكن المستثمر من الالتزام بتأهيل الكفاءات والتجهيزات اللازمة. ومن المهم أن تتحول هذه الاستثمارات مع الوقت إلى خبرة محلية وقدرة على تطوير القطاع.
وفي تقديري، فإن تصميم نموذج التمويل يمثل أحد أهم عوامل النجاح. فالخدمات التجارية تعتمد على إيرادات العملاء، بينما قد تحتاج خدمات الإسعاف الجوي أو تغطية المناطق البعيدة إلى تمويل حكومي يضمن استمرارها. ولا يصح تقييم النشاطين بالمعيار نفسه؛ فالأول يرتبط بطلب تجاري، والثاني يرتبط باحتياج عام ومستوى خدمة مطلوب.
وتبقى على الجهة الحكومية مسؤولية إعداد عقود قابلة للتنفيذ والمتابعة، وتنظيم المنافسة، وحماية المستفيد. فدخول القطاع الخاص لا يضمن وحده انخفاض التكلفة أو تحسن الخدمة. هذه النتائج تحتاج إلى متطلبات واضحة، وتوزيع مناسب للمخاطر، ومتابعة تميز بين التزام المشغّل بالعقد وتحقيق الغاية من التخصيص.
وبالنسبة للمملكة، فإن تنوع احتياجات النقل واتساع الجغرافيا يتيحان فرصًا في مختلف أنشطة الطيران.
يمكن الاستفادة من التجارب الدولية في اختيار نماذج مناسبة لكل نشاط، مع تحديد الأثر المطلوب قبل طرحه. وبعد سنوات من التشغيل، ينبغي أن نستطيع إثبات ما أضافته المشاركة:
خدمة أفضل للمسافر، ووصولًا أسهل إلى الوجهات، وجاهزية للنقل الطبي، وفرص عمل وخبرات وطنية. بهذه النتائج يمكن الحكم على نجاح التخصيص وأثره على الإنسان والاقتصاد.