أي موقف هجومي أو صدامي يحدث أو يتعرض له أي أحد من قبل الآخرين،وهو في عين العاصفة وفي قلب الموقف أو غالبًا بعد الموقف بدقائق. هنا تحديدًا تُشفق على الشخص الذي أخطأ أكثر من شفقتك على الشخص الذي تعرض للهجوم والصدامية، لأن الإساءة والنقد اللاذع والنقد الجارح.. كلها تُصَنف إساءات تعكس شخصية الإنسان الذي تصدر منه مهما كانت أسبابها، حتى لو كانت بسبب وجيه ومنطقي.
رغم أنه ليس هناك ما يبرر الإساءة على الإطلاق، ولكن قد يكون هناك ما يبرر اللوم، لأن الحياة تحمل في جعبتها الكثير لنا ولأحبابنا، فقد نضطر إلى أن نأخذ منهم موقف اللائم. المهم فتُشفق على الإنسان المخطئ لأنه بعد انتهاء الموقف بساعه واحدة كحد أقصى يبدأ في الصراعات الداخلية ذهنيًا ونفسيًا. ومهما حاول الإفلات من ضغطها عليه، لن يتمكن وفي أحسن الحالات من تجاوزها، ولها ذلك الأثر في نفسه وفي شخصيته وحتى في سعادته وعودته للاندماج في تفاصيل وأحداث الحياة اليومية العادية.
أما المُتَلقي لذلك الهجوم وتلك الصدامية في التواصل فموقفه يختلف تمامًا، يتمكن من تجاوزها وبسرعة هائلة، طبعًا بحول الله وقوته.
لسببين: أولًا: لأنه لم يصدر منه الخطأ!
ولذلك كثيرة جدًا النقاشات التي أقول فيها للطرف الآخر في لحظة مبكرة جدًا من النقاش، لا تخطئ، ليس من أجلي بل من أجلك أنت، دع النقاش منطقيا وموضوعيا حتى نخرج منه سالمين ومسالمين، ولا نخرج ونحن مكبلين بقيود من حديد آثار كلماتنا وأصواتنا وأحقادنا وضغائننا. وثانيًا: لأن النقاشات والاختلافات في لحظة مبكرة جدًا تنتهي وتُحسم نتيجتها، واستمرار النقاش ما هو إلا صدام وعراك ليس منه أي فائدة. هناك مقولة لدايل كارنيغي صاحب «دع القلق وابدأ الحياة» الذي صدر قبل مائة عام تقريبًا من الآن «لن تظفر بنقاش»، وهذه حقيقة مطلقة لأنه لا يمكن في لحظة من اللحظات أن يتوقف أحد الطرفين ويقول للآخر: «صدقت وأنا مخطئ». حتى لو كان متيقنًا من أن الطرف الآخر صح فلن تكون لديه الشجاعة النفسية ليقولها بكل ثقة ووضوح.
أما التسامح، فتلك القمة العالية جدًا، التي يصعب الصعود إليها والبقاء فيها، وهي فعلًا قمة لأنك فيها تسمو عاليًا بنفسك وبمشاعرك وبفكرك.
أين تسمو وماذا تُخَلف وراءك؟ تسمو تاركا المواقف والأشخاص والصدمات وراءك، لأنك ارتقيت أو بتعبير آخر تجاوزتها وتقدمت من فيها بمسافات بعيدة جدًا، تركتها خلفك هي والأشخاص الذين تسببوا فيها.
ثلاثة أعمال لا يعلم أُجُورها إلا الله، الصوم كما ورد في الحديث القدسي: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، والصبر قال تعالى:
«إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»، والعفو قال تعالى: «فمن عفا وأصلح فأجره على الله».
لذلك وجب أن يكون تجاوزها بقلب أبيض نقي، خالص من كل شائبة أو نقطة سواد تشوبه، قلب خفيف يحلق ويرفرف في كل مكان وفي كل وقت، قلب نقي غير مكبل بمشاعر الحقد والكره والضغينة، قلب مفتوح على مصراعيه وجاهز في أي وقت لدخول الجميع، بلا استثناء من لهم سوابق ومن ليس لهم سوابق.