ومن كوارث هذا العصر ما يُعرف بـ«مطوّري الذات»، الذين حوّلوا تفاصيل حياتك إلى جدول من التعليمات الدقيقة، حتى كادت معه التلقائية أن تصبح عيبًا، والتسامح ضعفًا، والعفو تنازلًا عن الكرامة، والرضا استسلامًا، والقناعة قلة طموح.
يطلبون منك أن تضع حدودًا لكل شيء، وأن تحسب كل كلمة، وأن تزن كل موقف، وأن تراجع كل علاقة كما لو كانت صفقة تجارية: ماذا أعطيت؟ وماذا أخذت؟ ومن بادر؟ ومن تأخر؟ ومن اعتذر؟ ومن استحق فرصة أخرى؟
حتى العلاقات الإنسانية لم تسلم من هذا المنطق؛ فأصبح بعض الناس يدخلون العلاقة ومعهم قائمة من الشروط والمقاييس، وكأنهم لا يبحثون عن إنسان يشاركهم الحياة، وإنما عن مشروع مثالي لا يخطئ ولا يتعب ولا يتغير.
والحقيقة أن الإنسان ليس آلةً مبرمجة، ولا يمكن اختزال الحياة في قواعد ثابتة تصلح لكل ظرف وكل شخص. هناك مواقف لا ينفع معها إلا التغاضي، وأخرى لا تُحل إلا بالصبر، وأحيانًا يكون التنازل حكمة لا ضعفًا، ويكون الاعتذار شجاعة لا انكسارًا، ويكون العفو رفعةً لا هزيمة.
لقد بالغ بعضهم في تعليم الإنسان كيف يحمي نفسه، حتى نسي أن يعلّمه كيف يحب، وكيف يحتمل، وكيف يمنح فرصة، وكيف يفهم اختلاف الآخرين، وكيف يتعايش مع النقص الطبيعي في البشر.
أصبحنا نبحث عن العلاقة التي لا تُتعبنا، والصديق الذي لا يخذلنا، والشريك الذي لا يخطئ، والمجتمع الذي يوافقنا دائمًا؛ فإذا ظهر أول اختلاف انسحبنا، وإذا وقع أول خلاف أغلقنا الأبواب، وإذا أخطأ أحدهم مرةً أسقطناه من حساباتنا إلى الأبد.
وكأن النضج أصبح يعني ألّا نتأذى، بينما النضج الحقيقي أن نتأذى ولا نظلم، وأن نختلف ولا نتخاصم، وأن نغضب ولا نهدم، وأن نملك القدرة على المسامحة دون أن نفقد كرامتنا.
ليست كل علاقة تستحق أن تنتهي عند أول عثرة، وليست كل كلمة جارحة دليلًا على سوء النية، وليس كل تقصير إهانة، وليس كل اختلاف علامة على عدم التوافق.
الحياة أوسع من تلك الجداول والقواعد، والناس أكثر تعقيدًا من أن يُحكم عليهم من موقف واحد. نحن جميعًا نخطئ، ونقصر، ونتعب، ونمر بأيام لا نكون فيها أفضل نسخنا.
ولذلك، ربما نحتاج اليوم إلى شيء من البساطة التي فقدناها؛ أن نترك مساحة للعفوية، ولحسن الظن، وللرحمة، وللصفح، وللصبر، وأن نتذكر أن العلاقات لا تُبنى بالكمال، وإنما تُبنى بالقدرة على احتمال النقص، وبالرغبة الصادقة في الاستمرار رغم العثرات.
فليس كل ما يعلّمك كيف تتخلص من الناس تطويرًا للذات، وليس كل ابتعاد انتصارًا، وليس كل تنازل هزيمة.
أحيانًا يكون أعظم تطور للذات أن تصبح أكثر رحمة، وأقل حكمًا، وأوسع صدرًا، وأن تعرف متى تتمسك، ومتى تتنازل، ومتى تعفو، ومتى ترحل.
فالحكمة ليست أن تعرف كيف تحمي نفسك من الجميع، إنما أن تعرف كيف تعيش بينهم دون أن تفقد نفسك.