فليست الإشكالية في تحليل الظاهرة الحوثية أو محاولة فهم أسباب استمرارها، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها للرأي العام؛ حين يتحول توصيف جماعة مسلحة إلى تضخيم لمكانتها، أو تتحول أيديولوجيتها إلى مصدر شديد التوصيف يُضفي عليها هالة من التماسك والقدرة، يغيب السؤال الأهم: ماذا قدّمت هذه الجماعة لليمن؟ وماذا فعلت بالدولة ومؤسساتها ومستقبل شعبها؟
قراءة المشهد اليمني من زاوية التعبئة العقائدية وحدها قراءة غير دقيقة؛ فالتماسك التنظيمي لا يصنع شرعية، والقدرة على القتال لا تمنح حق الحكم، وامتلاك خطاب أيديولوجي لا يحوّل المشروع المسلح إلى مشروع وطني. فالدول لا تُقاس بقدرة الجماعات على فرض إرادتها بالقوة، وإنما بقدرتها على حماية مؤسساتها، وصون حقوق مواطنيها، وإقامة نظام سياسي يستند إلى الشرعية والتعددية وسيادة القانون.
تصوير الحوثيين بوصفهم نموذجًا في الإرادة أو العقيدة يتجاهل جوهر المسألة: نحن أمام جماعة مسلحة شاركت في العملية السياسية، ثم انتهى بها الأمر إلى الاستيلاء على مؤسسات الدولة وتقويض السلطة الشرعية وإقصاء شركاء العملية السياسية. وهذه ليست تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها عند تقييم التجربة، بل هي جوهر الحكم عليها.
أما الحديث عن إمكانية أن يكون قائد الجماعة حاكمًا طبيعيًا لليمن، فيتجاوز سؤالًا لا يمكن القفز عليه: بأي مشروع سياسي، وبأي مرجعية دستورية، وبأي ضمانات للتعددية وحقوق اليمنيين؟ فالحكم ليس استحقاقًا تمنحه القوة المسلحة، ولا صفة طبيعية تكتسبها القيادة من قدرتها على الحشد؛ إنما هو مسؤولية تُكتسب عبر شرعية معتبرة، وقبول سياسي، واحترام لمؤسسات الدولة وإرادة المجتمع.
ولا يمكن فصل المشروع الحوثي عن سياقه الإقليمي ؛ فاليمن ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو توسيع النفوذ على حساب أمنه واستقراره. كما أن التهديدات التي تطال أمن المملكة العربية السعودية ودول المنطقة تجعل التعامل مع هذا الملف مسألة أمن إقليمي، لا مجرد نقاش نظري حول كفاءة جماعة مسلحة في قوة الإيمان العقائدي بحملها للسلاح بوصفه عقيدة أو إيمان يتطلب الوقوف عليه أو النظر له أو الإعجاب به.
أخطر ما في بعض القراءات الإعلامية ليس اختلافها في التقدير، بل اختزالها المشهد في مظاهر القوة، وإغفال كلفة هذه القوة على الدولة والمجتمع. فحين تُفصل القدرة على القتال عن نتائجها السياسية والإنسانية، يصبح التحليل عرضة لتجميل واقع لا يحتمل التجميل، وتُهمَّش معاناة اليمنيين الذين يستحقون دولة مستقرة، لا سلطة موازية تفرض مشروعها بالسلاح.
الإنصاف في تناول القضية اليمنية يقتضي التمييز بين فهم أسباب بقاء الجماعة وبين تبرير مشروعها، وبين تحليل أدواتها وبين منحها شرعية لا تستند إلى مؤسسات الدولة وإرادة اليمنيين. فالفهم ليس تزكية، والواقعية ليست استسلامًا لمنطق السلاح، والتحليل السياسي الرصين لا يكتفي بالسؤال عمّن يملك أدوات القوة، بل يسأل أيضًا: لأي غاية تُستخدم، وعلى حساب من، وبأي ثمن؟
في نهاية المطاف، لا يحتاج اليمن إلى إعادة تسويق الميليشيات بوصفها قدرًا سياسيًا محتومًا، بل إلى استعادة الدولة ومؤسساتها، وصون سيادته، ودعم مسار سياسي جامع يتيح لليمنيين تقرير مستقبلهم بعيدًا عن الإكراه والتبعية. أما تحويل السلاح إلى معيار للحكم، والأيديولوجيا إلى بديل عن الشرعية، فليس قراءة واقعية للمشهد؛ بل خلط بين فرض الأمر الواقع وامتلاك الحق في إدارة الدولة.