أرى التعزية، الأم، وهي تودع فلذة كبدها شهيداً في سبيل الله، ثم في سبيل مصلحة اليمن وأحراره وأهله الأوفياء، لا تودعه بالصراخ والعويل الذي يكسر العزائم، بل بالزغاريد والفخر والدعاء بأن يتقبله الله، فأي قوة تلك التي تملكها هذه الأم!
إنها قوة مستمدة من إيمانها بأن الحق لا يموت وأن التضحية هي ثمن الحرية، شاهدنا المعلمة تقف في فصل دراسي مهدم، بلا نوافذ ولا كتب كافية، بعد أن طالته قذائف الحصار الحوثي الإرهابي الجبان، ومع ذلك تشرح لطلابها درساً عن اليمن الكبير والجمهورية التي لا تقبل المساومة، فهي لا تعلم حروفاً فقط، بل تزرع وطناً في قلوب الصغار.
أرى الطبيبة، والممرضة في مستشفيات تفتقران لأبسط الإمكانيات، حيث تعملان لساعات طويلة تحت القصف والخوف، تداويان جرحى القصف العدواني من قبل الحوثي، وتخففان آلام الأطفال والنساء، ونرى الناشطة الحقوقية، والإعلامية التعزية التي تحمل هاتفها كسلاح تفضح من خلاله جرائم الحصار الذي تفرضه الميليشيا الحوثية الإرهابية منذ سنوات، توثق معاناة الناس، توصل صوت تعز إلى العالم رغم محاولات التعتيم. أرى المرأة البسيطة في الحارة، تتقاسم رغيف الخبز وكسرة الماء مع جارتها النازحة، وتسند جارها الجريح، في لوحة تكافل اجتماعي عجزت المنظمات الدولية عن تقديم مثيل لها.
هذه هي المرأة في تعز لم تكن يوماً على هامش المعركة، بل في قلبها معركة الوعي قبل معركة السلاح، معركة الثبات على القيم والمبادئ قبل معركة الجبهات، هي التي أنجبت البطل، ربت المقاوم، وساندت المرابط، وصنعت جيلاً لا يعرف الانكسار.
وهنا ليسأل الحوثي الذين أطبق على عقولهم الجهل أنفسهم إذا كانت هذه هي أفعال نساء تعز، فكيف برجالها؟
إذا كانت المرأة في تعز بهذا القدر من الوعي والصلابة والإقدام، لا تهابكم ولا تخشى سجونكم ومعتقلاتكم، تجاهركم بالحق وتكشف زيف مشروعكم العفن، فكيف تتوقعون أن يكون بأس رجالها؟
إنكم تراهنون على مدينة لم تفهموا سرها بعد وتظنون أن الحرب تحسم بعدد البنادق وكمية السلاح، والإعلام الكاذب، ولا تعلمون أن حرب تعز هي حرب إرادة وعقيدة، وليبقى الوطن لكل حر نزيه.
ثم إن المرأة في تعز هي مصنع الرجال، هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل أن الكرامة أغلى من الحياة، وأن الجمهورية ليست شعاراً يرفع (لتضحكوا من خلالها على السذج)، بل دم يجري في العروق.
إذا كان هذا هو فعل النساء فتخيلوا، وتخيلوا جيداً، كيف سيكون بأس الرجال في ميادين الحق ونصرة المظلوم؟ كيف سيكون بأس الرجل التعزي المخلص الذي تربى على يد هذه المرأة العظيمة، ورضع من لبنها حب اليمن والحرية والأمن والعدالة ؟
إنه بأس لا يلين، وعزيمة لا تنكسر. رجل تعز تعلم من أمه النزيهة الطاهرة ألا يساوم على شرف مدينته، ومن أخته أن لا يصمت عن باطل، ومن زوجته أن يثبت في موقعه حتى النصر.