نواف التبيناوي

يستوقفني شاب عربي يزدري غزوات البادية، ثم يُعجب بمحاربي الفايكنج ويتابع بطولاتهم المصوّرة. ولا حرج في الإعجاب بعمل فني تاريخي؛ فالاستمتاع بالفن لا يقتضي تبرير أفعال أبطاله. لكن موضع الاعتراض أن الغارة تصبح في تاريخ البادية شاهدًا على القصور والتأخر، وفي تاريخ الفايكنج رمزًا للقوة والمجد.

الغزو ظاهرة عرفتها شعوب كثيرة عبر التاريخ، واختلفت دوافعه تبعًا لظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ففي بعض المجتمعات نشأ عن ندرة الموارد والصراع على أسباب المعيشة، وفي مجتمعات أخرى عن السعي إلى الثروة والتوسع والنفوذ، وقد تجتمع هذه الدوافع وتتداخل. ولذلك لا يصح اختزال تاريخ أمة في غزواتها، أو الحكم على جميع الغزوات بمعيار واحد يتجاهل اختلاف أسبابها ووسائلها وضحاياها. وما يستحق المساءلة هنا هو العقل الذي يتسامح مع العنف في تاريخ الشعوب التي يعجب بها، ويتخذه دليلًا على تخلف الشعوب التي يكرهها.

في البادية، ارتبطت غارات كثيرة بالتنافس على الإبل والماشية في بيئة شحيحة الموارد، وكانت لها أعراف تدعو إلى الحد من إراقة الدماء وصون المستجيرين وغير المقاتلين، وإن تفاوت الالتزام بها. أما غارات الفايكنج فقد شملت اقتحام القرى والأديرة، ونهب الممتلكات، وإحراق المنازل ودور العبادة، واغتصاب النساء، وقتل السكان وأسرهم والاتجار بهم.

ورغم هذا التاريخ العنيف، اتخذ حضور الفايكنج في الثقافة الأوروبية مسارًا مختلفًا. ويعكس تطور استعمال الاسم جانبًا من هذا التحول؛ فقد كانت كلمة «فايكنج» في النوردية القديمة تدل على المغير البحري، واتسع استعمالها في القرن التاسع عشر ليشمل الشعوب الإسكندنافية في عصر الفايكنج. وأسهم الأدب الرومانسي الأوروبي في صناعة صورتهم البطولية، مستلهمًا الميثولوجيا النوردية بما تحمله من أساطير الآلهة والمحاربين، حتى صار المحارب الشمالي رمزًا للحرية والقوة. ورسّخت الأزياء المسرحية في ذلك القرن صورة الفايكنج بخوذات ذات قرنين، مع أن الآثار لم تكشف عن خوذة حربية لهم بهذا الشكل. ثم تحولت تلك الصورة إلى صناعة ثقافية واسعة. وفي كتاب «قلب الفايكنج» الصادر عام 2021، يربط المؤرخ الأمريكي آرثر هيرمان الإرث الإسكندنافي بالشجاعة والمثابرة والابتكار، ويمد أثره حتى الحياة الأمريكية الحديثة. وفي مقابل الكتابات الغربية التي مجّدت الإرث الإسكندنافي، انتقد المؤرخ الأيرلندي ألفريد سميث دراسات هوّنت من الدمار الذي خلّفته غارات الفايكنج على الكنائس والمجتمعات في غرب أوروبا. وتتبّع الباحث رودريك ديل في دراسة «من البربري إلى العلامة التجارية» توظيف صورة الفايكنج في ترويج الشركات لمنتجاتها. وهكذا أصبحت الصورة المتخيلة أكثر حضورًا من الوقائع التاريخية.

وللرواية التاريخية دور في تشكيل هذه الصورة وتقريب القارئ من عالم الغزاة. ففي سلسلة «المملكة الأخيرة» للبريطاني برنارد كورنويل يُؤسر صبي سكسوني وينشأ بين الدنماركيين. ومن خلال تجربته، تتكشف حياتهم ودوافعهم، وقد تثير شخصياتهم التعاطف رغم عنفها.

ووجدت قصص الغزاة جمهورًا أوسع مع مسلسل «الفايكنج» الذي كتبه مايكل هيرست، ثم «المملكة الأخيرة» و«الفايكنج فالهالا» وفيلم «رجل الشمال». ووفق ما أعلنته منصة «ستارزبلاي» نهاية عام 2020، شاهد مسلسل «الفايكنج» نحو 42% من مستخدميها النشطين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي لعبة «أساسنز كريد فالهالا» يتقمص اللاعب دور محارب إسكندنافي، وقد أعلنت شركة «يوبيسوفت» في أكتوبر 2026 أن عدد لاعبي اللعبة تجاوز أربعين مليونًا. وامتد الاحتفاء إلى المهرجانات التاريخية، فاجتذب مهرجان «يورفيك» البريطاني نحو خمسين ألف زائر عام 2026.

فماذا لو أنتجنا مسلسلات عن غزوات البادية، ونظمنا مهرجانات تستعيد أزياء المغيرين ومعاركهم، ورُصدت عشرات الملايين لتمويلها؟ هل تُستقبل على أنها تراث ومغامرة، أم تُدان باعتبارها احتفاءً بالغزو والجريمة؟

لكن صناعة الصورة لا تكفي لتفسير انجذاب شاب عربي إليها مع احتقاره موروث البادية. يقدم علم النفس الاجتماعي تفسيرًا محتملًا عبر ما يسمى «التباعد عن الجماعة». فالفرد الذي يرى في هويته الأصلية موضع وصم قد يبالغ في إعلان اختلافه عن جماعته، وربما يشارك في ازدرائها طلبًا لمكانة اجتماعية أعلى. أما من لا ينتسب إلى البادية أصلًا، فقد يستخدم السخرية منها لإعلان تميزه الحضري أو الطبقي. وفي الحالين تتعلق المسألة بالمكانة التي يتصورها الفرد لنفسه، أكثر من تعلقها بمعرفة تاريخية فاحصة.

ويُفسّر «انحياز المكانة» كذلك ميل الأفراد إلى الاقتداء بالنماذج التي تحظى بالتقدير الاجتماعي. فالأعمال الفنية التي تصوّر المحارب الشمالي رمزًا للشجاعة والهيبة تعزز مكانته في أذهان الجمهور، وتجعله موضع إعجاب رغم الفظائع التي ارتبطت بغارات الفايكنج. لذلك يستطيع الشاب تقليد هيئة المحارب الشمالي ليدل على القوة، ثم يرفض المظاهر الحربية المحلية لأنها تستدعي في ذهنه صورة أقل وجاهة. إنه يفاضل بين صورتين مختلفتي القيمة الاجتماعية، دون تمحيص للوقائع التاريخية.

وثمة آلية تناولتها دراسات علم نفس الإعلام، هي التساهل الأخلاقي مع البطل الذي يتعلق به المشاهد. فالحكاية تجعل المشاهد يتطلع إلى انتصار الغازي، بينما لا تمنح ضحاياه القدر نفسه من الحضور الإنساني. ومع التعلق بالشخصية، يسهل البحث عن أسباب تخفف وقع أفعالها.

ووراء هذه الآليات خلل في أصل المقارنة؛ فالشاب يحكم على غزو البادية بنظرته إلى نمط عيش له امتداد في الحاضر، يربطه بأحكام الطبقة والمكانة والتحضر، ويحكم على غزو الفايكنج من خلال الصورة التي رسمتها الرواية والسينما، ثم يعامل نتيجة المقارنة كأنها حكم تاريخي موضوعي. ويظهر الخلل نفسه لدى من يسخر من ارتباط أهل الجزيرة بالإبل ويعيّرهم بها، ثم يُعجب بما تحظى به الأبقار والثيران والحمير من احتفاء ومكانة في تراث شعوب أخرى. وليس هذا خاصًا بالشاب العربي؛ فله نظائر في مجتمعات وثقافات أخرى، تتخذ صورًا مختلفة وفق ظروفها الاجتماعية والثقافية. ويقتضي هذا التحليل مراعاة اختلاف دوافع الأفراد، والتمييز بين النقد التاريخي للموروث البدوي وازدرائه.

ويبلغ التناقض مداه عندما يحاكم بعض أبناء عصر الرخاء والاستقرار غارات الصحراء وكأن أهلها كانوا يتمتعون بما تتيحه الدولة من أمن وموارد وحماية، ثم يتساهلون مع غارات أشد قسوة لأن الفن منح أصحابها هيئة الأبطال. فقد عاش بدو الجزيرة في بيئة تفتقر إلى ضمانات الأمن، وكانت خسارة الإبل والماشية تهدد معيشتهم، فكانت الغارات والرد عليها جزءًا من التنافس على الموارد وحمايتها. واستمرار التفاخر بالغزو اليوم يستحق النقد، فهو موقف معاصر يتحمل أصحابه مسؤوليته. أما الوقائع التي انقضت، فيقتضي الإنصاف قراءتها في ظروفها، والنظر في دوافعها ووسائلها وأضرارها، والتمييز بين درجات العنف، بعيدًا عن الأحكام التي تُسقط تحيزات أصحابها على الماضي.