لم تعد الأزمة السورية قضية تخص دول الشرق الأوسط فقط، إنما أصبحت أزمة أمنية عالمية، لها تداعيات مستقبلية أيضا، ينبغي أن ينخرط الجميع في الجهود الرامية لإيجاد مخرج سريع لها.
وتشير أستاذة العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة برينستون المدير السابق لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية، آن ماري سلوتر، إلى أن هذا الحشد العالمي الكبير الذي شارك في مؤتمر فيينا الأخير كفيل بزيادة الضغوط على نظام الأسد، وأن العالم يراقب عن كثب جهود الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين في هذه الأزمة، وأن سمعته وهيبته، كرجل دولة وليس جنرالا فقط، باتتا على المحك.
وكما أشارت الوطن أول من أمس، فإن مفتاح التوصل إلى اتفاق في قمة فيينا هو ما صرح به وزير الخارجية عادل الجبير، بأن اللقاء هو اختبار لجدية روسيا وإيران لرحيل الأسد عسكريا أو سياسيا. وهو تقريبا ما سوف يتم التوصل إليه لاحقا.
فرصة غير عادية
وحسب معظم المراقبين لقمة فيينا، فإن موافقة المملكة علي حضور إيران والجلوس علي نفس طاولة المفاوضات هو أهم حدث في هذه القمة، حيث دشن بداية جديدة لأحداث قادمة، وانفراجة جديدة في مسار العلاقات الإقليمية والدولية، كانت شبه معدومة على مدار عقود في الشرق الأوسط، وهو ما يشير إلى أن هذا الاجتماع التفاوضي الأول مرشح لأن يثمر نتائج إيجابية على مراحل وبشكل تدريجي ولكنها أكيدة، وهو ما شدد عليه وزير الخارجية الأميركي جون كيري، بأن مفاوضات فيينا هي أكبر فرصة واعدة أتيحت حتى الآن، وهي فرصة غير عادية لأنها تحمل أكبر قدر من الإمكانات لإيجاد أفق سياسي.
سقف الخلافات
ومع التسليم بأنه لا يتوقع في المرحلة الراهنة التوصل إلى اتفاق حاسم حول مستقبل النظام، إلا أن مجرد اجتماع كل الأطراف التي لها مواقف شديدة التباين حول طاولة المفاوضات يعدّ تقدما كبيرا باتجاه الحل التوافقي، لا سيما أن المملكة والولايات المتحدة وفرنسا تريد التفاوض حول جدول زمني محدد لرحيل الأسد، بينما يقترح الروس والإيرانيون فترة انتقالية غير محددة المدة، فضلا عن التمسك بمنح بشار دورا في مرحلة الانتقال السياسي في سورية، وهي مطالب مراوغة – في نهج المفاوضات وأساليبها المعتادة – ترفع السقف إلى أعلى درجة لتحقيق ما هو أقل مثل الرحيل الجزئي للأسد، في حين أن كلا من واشنطن والرياض تعرفان هدفهما بالضبط، وهي من نقاط القوة لصالحهما في هذه المفاوضات.
عودة الحرب الباردة
هذه التداعيات تترجم بعض المخاوف من انعكاسات الأزمة على الإقليم والعالم، ومنها العودة لمناخ الحرب الباردة، وإمكان الصدام المباشر بين القوى الكبرى، كذلك تزايد تدفق أعداد اللاجئين السوريين إلى أوروبا مع بدايات فصل الشتاء، والتهديد الإرهابي المتنامي، فضلا عن هواجس وصول القوى الكبرى والإقليمية إلى ما يعرف بـالإنهاك على الأرض وتوازن الضعف.
ودفعت تلك المخاوف الجميع إلى اتخاذ مواقف – ربما على غير رغبتها - من شأنها أن تمهد الطريق أمام نوع من التسوية السياسية للأزمة، باعتبارها مفتاح الحل لمعظم ملفات المنطقة العالقة.
لكن تظل المخاوف العربية قائمة إلى أن تصدق النوايا وتثبت الرغبة الإيجابية لكل من موسكو وطهران في الحل، وتنحصر هذه المخاوف – كما بلورها المحلل السياسي مايك ويتني في تقرير نشر أخيرا بأن يكون هذا الحشد الدولي هو نوع من الاتفاق الموقت الذي يوقف القتال على الأرض لإنقاذ ما تبقى من نظام بشار لحسابات دولية خاصة لم يعلن عنها بعد.
آسيا تطالب طهران بدفع بشار للرحيل
قالت أستاذة العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة برينستون آن ماري سلوتر، إن من مصلحة دول في آسيا روسيا والصين والهند وباكستان وأفغانستان، ممارسة الضغط علي إيران للتوقف عن دعم حزب الله، ودفع الأسد للرحيل. مشيرة إلى أن باكستان لديها الكثير لتربحه من تعزيز التجارة والاستثمار والطاقة جنوب غرب آسيا، كما أن الهند تفكر جديا في تجديد خط أنابيب الغاز بينها وبين إيران وباكستان، وبمشاركة الصين وروسيا، ولكن كل هذه المشاريع متوقفة على دور إيران الإيجابي في إيجاد حل للأزمة السورية.
وربما تلعب الهند دورا محوريا وقويا في دفع روسيا وإيران للضغط على الأسد نظرا للعلاقات الثقافية والتاريخية مع إيران، فضلا عن أنها المستورد الرئيس للأسلحة من روسيا. واليابان أيضا يمكن أن تلعب دورا مع إيران نظرا لأنها تسعي لإقامة علاقات وثيقة مع إيران بعد تنفيذ الاتفاق النووي في مجال الغاز والاستثمارات، وهو ما يحفز الصين للعب دور فاعل في التوصل إلى تسوية حقيقية بدلا من عرقلة الجهود الدولية.
كما أن ألمانيا تدرك أن الحل الوحيد لتدفق اللاجئين إلى أوروبا يكمن في القضاء على الأسباب، وهي أول دولة بادرت بالتحرك فقد سافر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير إلى تركيا في سبتمبر الماضي 2015 للمساعدة في التوصل إلى اتفاق حول إبقاء اللاجئين في تركيا، في مقابل استئناف المحادثات حول انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
وحسب تييري ميسان في مقاله المعنون سورية وألمانيا على موقع فولتير 29 أكتوبر، فإن عملية استقطاب مزيد من المهاجرين توقفت مع التدخل العسكري الروسي، لسببين: الأول هو خشية الألمان من احتمال اندساس جهاديين بين المهاجرين هربا من القصف الروسي. والسبب الثاني، أن الشعب الألماني بدأ يتخذ موقفا مجافيا من المهاجرين بسبب إقدام أرباب العمل على استغلال الأوضاع الجديدة بإلغائهم الحد الأدنى للأجور في عدد من المقاطعات الاتحادية.
لذلك دفع وزير الخارجية، ورئيس الاستخبارات الألمانية سابقا، شتاينماير، باتجاه تنظيم لقاء على شاكلة 5+1 مع إيران لإنهاء النزاع في سورية، وهو ما ترجم في لقاء فيينا.