حبيب الشريف

في الموروث الهندي القديم يطلق لقب مهراجا على الشخص عندما يبلغ مرتبة من الثراء، وهي مرتبة مكتسبة يمكن فقدانها إذا ما تعرض صاحبها لخسارة تخرجه من نادي الثراء الفاحش، وتجمع كتلة المهراجاوات لهم ناديهم الخاص ويحرص أعضاؤه على ألا يدخله إلا من أرادوا له ذلك، وعندما يصل أحد الأثرياء الجدد إلى هذه المرتبة ويرغب في الانضمام إليهم  يقدمه مهراجا قديم يرتبط معه بصلة عمل فيدخله لمصلحة ما ليصبح مهراجا رغما عنهم فلا يروق الأمر لبقية المهراجاوات فيكيدوا له لإخراجه من ناديهم وإعادته إلى مقامه الأصلي وليس لهم إلا أن يتظاهروا بالاحتفال بمناسبة انضمامه إليهم، وفي الاحتفال يقدمون له هدايا ثمينة ومن أهمها فيل أبيض، ويعد الفيل الأبيض من الحيوانات المقدسة في الهند ومن الفصائل النادرة والثمينة ويتوجب على من يقتنيه أن يعامله معاملة خاصة ويسكنه في صرح خاص يليق به، ويعين له خدما وأطباء ويقدم له الطعام الوفير من الفواكه والخضار في أوان ذهبية وجوارب فضية لشرب الماء ونبيذ العنب والجوز، وليس له خيار إلا أن يقبل هذه الهدية ويتباهى في رفاهيتها ليثبت أنه يستحق لقبه الجديد ومع مرور الوقت يجد المهراجا نفسه في مأزق لإنفاقه الشديد على هذا الفيل الأبيض، وسرعان ما يكتشف أنه قد أنفق ثروته على رعايته وخسر ماله ليسارع بقية المهراجاوات لإخراجه من ناديهم.
  ومن هذا المبدأ بات يطلق عنوان ورواية الفيل الأبيض على المشاريع عديمة الجدوى التي تعتبر من أثقل الضرائب على ميزانيات الدول، حيث تتصف مشاريع الفيلة البيضاء بالضخامة والتكلفة المرتفعة رغم أنها عديمة المنافع الاقتصادية ويكون وجودها طريقا للخسائر المادية  ولنا تجربة في استباحة المياه لزراعة القمح الذي أطلق عليه مشروع الفيلة البيضاء منذ الثمانينات والذي ابتلع المياه الجوفية الاستراتيجية لإنتاج جودة منخفضة من القمح وبتكلفة مضاعفة.
  وهنا يأتي دور التأمل في تحليل المخاطر وتحديد محاور انتفاء الرجاء في هذا المشروع تحديداً هل كانت بسبب عدم احتدام والتصاق الموقع بالكثافة السكانية ليسهل تغذيته سكانيا واجتماعيا ليكون امتداداً طبيعياً حديثا لمدينة جدة لإيجاد ضمان آخر لإنجاح المشروع، ضخامة الإنفاق الحكومي مع القوة الإنتاجية والاقتصادية للمدينة التجارية الجاهزة كهدف اقتصادي وسياحي لا شك أن تقييم المخاطر والاستجابة للتطوير المستمر من أسباب النجاح والتفوق السريع وفي مفهوم التطوير الإداري خبرة عشر سنوات بدون تطوير هي خبرة سنة واحدة مكررة عشر مرات’ ومن هنا لا بد من الاستفادة من الخبرة السابقة والتحليل بعناية ودقة كما تفعل كبريات الدول والشركات العالمية في أسباب غرق سفينة أو سقوط طائرة وانتشال أجزائها حتى من أعماق البحار لإجراء أدق التحليلات والتحقيقات لضمان عدم تكرار الخطأ والابتكار في التطوير.
 وكلنا أمل في الرؤية الذكية التي قدمها سمو الأمير محمد بن سلمان الشاب الطموح والتي وجدنا فيها بعداً اقتصادياً جديداً وفكراً أمنياً ثاقباً  فبعد أن استعد الأصدقاء والحلفاء للتخلي والاستغناء عنا لانتفاء المصالح سوف نجدهم بهذه الرؤية يعودون إلينا مع غيرهم من كل بقاع العالم للاستثمار في النسبة الضئيلة التي أعدت للطرح من أرامكو عملاق النفط وسوف نجدهم حريصين بشدة على مصالحهم من جديد وعلى أمن واستقرار البلد الذي وفر لهم أجدى مقومات الاستثمار والشراكة.