عبدالعزيز الشيهاني
وصلنا المطار ولا زلت غير مصدق للواقع الذي أعيشه!.. هل أنا حقا اليوم في بغداد الرشيد، هل هذه فعلا هي مدينة الحضارات والتاريخ والمفخخات؟!
كإعلامي في أول وفد سعودي رسمي وصلنا مطار بغداد الدولي في تمام الثالثة والنصف عصرا بعد انقطاع دام 27 عاما، هبطت الطائرة واستقبلتنا سيارات الإطفاء بالماء «إجراء بروتوكولي في المطارات لأول رحلة طيران في المطار» وتوقفت الطائرة تماماً، وتوشحنا العلم السعودي مقرونا بالعلم العراقي في وشاح متصل بالعلمين.. فتح باب الطائرة فلما اقتربت من الخروج من الطائرة فإذا شمس بغداد هي أول من استقبلنا حينما فُتح باب الطائرة، فكانت أشعة الشمس هي أول من استقبلنا.. خرجت من الباب نحو السلم وأنا أتساءل هل أنا حقا في بغداد؟!
كأنني نائم ومستغرق في حلم جميل، لأن زيارتي لبغداد لم تكن في مخيلتي ولا في أفضل أحلامي السعيدة.
وعندما انتهى سلم الطائرة وجدنا في استقبالنا سعادة السفير عبدالعزيز الشمري وبجانبه وزير النقل العراقي، كان استقبالا أشبه باستقبال الفاتحين، سعادة لا توصف أن نعود إلى بغداد وتعود بغداد إلينا بعد 27 عاما من الانقطاع الحزين.. وبعد أن أخذنا الصور التذكارية مع السفير وخلفنا كانت طائرة الخطوط السعودية الخاصة التي أقلتنا، ذهبنا إلى داخل المطار حيث استوقفنا موظف الجوازات ورحب بِنَا، انتظرنا حتى يتم إدخال أسمائنا بالجهاز، وخلال الانتظار جلست بجانب إحدى المسنات العراقيات.. كانت تتوقع أنني من أي بلد في العالم إلا أن أكون من «السعودية»، فسألتني باللهجة العراقية الرائعة (من وين إنتا يا ابني؟) فأجبتها من السعودية. فرأيت في وجهها الدهشة، تمزجها السعادة والفرح بقدوم السعوديين.. فرحبت بِنَا وقالت:
(أنتم خطارنا حياكم ويانا على بيتنا نضيفكم هلا ومية هلا).. فشكرتها على مشاعرها.. فسألتني سؤالا آخر استغربته قليلا؟!
هل أتيتم إلى بغداد تطلبون العلم؟!
اندهشت حق الاندهاش أن تسألني هذا السؤال! وكأننا في أيّام الخمسينات ذاك العراق الجميل منبع العلم والثقافة.
فأجبتها: بل زوار اشتقنا إليكم وأتينا كي يعود العراق إلى حضنه العربي.. فقالت لي وهي على وشك البكاء: نحن أيضا نحب السعودية.
وكأنها تسترسل قائلة: ولا نريد غير السعودية لأننا جربنا غيرهم 14 عاما ولم نر سوى القتل والدمار والخراب والطائفية.