ثمة علاقة غريبة بين الغرب وإيران نستعجب منها نحن كعرب، فالسياسة الغربية في جوهرها تتمنهج على مصالحها الاقتصادية التي تتقاطع في مساحات فسيحة مع المصلحة العربية، ومع ذلك هناك ثمة علاقة مريبة لإبقاء إيران في خضم الصراع الشرق أوسطي، وهذا يفسر لنا كثيراً من مساحة الهامش التي استطاعت طهران أن تتحرك من خلالها خلال أربعة عقود ماضية، حتى استطاعت أن تتطور في برنامجها النووي، وأن تحقق تقدماً بارزاً في صناعاتها العسكرية مما مكنها في اختراق الجغرافيا العربية لصالح مشروعها الثوري في المنطقة !. الحكومات الأوروبية وعبر إعلامها الرسمي طالما طالبت الدول العربية والإسلامية ببذل المزيد من الجهود في الحرب على الإرهاب، ونشر مبادئ السلام، ومع ذلك نجدها حريصة على إقامة العلاقات مع طهران وحرسها الثوري، وهو نظام إرهابي وفاشي بامتياز، هذه العلاقة المريبة بين طهران والغرب قادت بعض المحللين إلى تفسير ديني للعلاقة، فنظرية صراع الحضارات لصموئيل هنتنجتون لا تزال حاضرة في صناعة القرار السياسي الغربي الذي يرى في الإسلام عدو المستقبل، وهم يدركون جيداً أن العروبة والإسلام السني هما المكان الأساسي للإسلام المعني، أما العقيدة الخمينية فمضمونها يتأصل على مفهوم الخرافة والغيبيات الميثولوجية، ولذا فهي تحظى بمساحة الدعم والهامش التي تمكنها من البقاء كضرورة في صراعات الشرق الأوسط. لا شك أن نظامي صدام حسين في بغداد وطالبان في كابول كانا يمثلان سداً سنياً منيعاً للتغلغل الإيراني في المنطقة، ومع ذلك سعى الجمهوريون الأميركيون لإسقاطهما عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، مما منح طهران مساحات فسيحة للتحرك نحو الشرق والغرب لصالح مشروعها الاستعماري، وبعد وصول الديمقراطيين للبيت الأبيض منح الرئيس أوباما طهران جغرافيا العراق بثرواتها وسيادتها هدية ثمينة لطهران، أعقبها باتفاق (5+1) النووي الذي سمح لإيران بممارسة أنشطتها وتهديداتها النووية في المنطقة !. اليوم تفرض الولايات المتحدة الأميركية حصاراً اقتصادياً على طهران، ربما هو الأسوأ عليها منذ اندلاع ثورتها في 79م، فعملتها تخسر أكثر من نصف قيمتها السوقية، ومعدلات البطالة تضرب الأرقام القياسية، والأسواق المحلية تشهد أكبر معدلات التضخم في تاريخها الحديث، نحن كعرب نتمنى أن يؤتي الحصار الاقتصادي ثماره المنشودة على أرض الواقع، وينتهي هذا الكابوس الإرهابي، ولكن جل ما نخشاه أن نتفاجأ بمساحات أخرى هامشية تتحرك من خلالها طهران وتلتف – ولديها خبرة في المراوغة – على العقوبات الاقتصادية !.