يشير الإنسان بأصبعه إلى رأسه في أي عملية نشاط تدل على التفكير والإدراك والعقل وأخذ القرار ومعرفة العلم والبحث عن الحقيقة وتفسيرها والدلالة عليها، ويحتوي رأس الإنسان على الحواس الأساسية التي تنقل للعقل المدخلات الضرورية للمعالجة في نشاطه وتفكيره، وفي داخله يقع الدماغ البشري الذي أذهل علماء التشريح بما يحتويه من إمكانات خارقة في التخزين والاستدعاء والتحكم والمعالجة، ومن كل ما سبق انعكس علينا مفهوم تحديد مكان العقل واستقراره وشكله وحجمه أكثر من وظائفه وأنشطته وعملياته وتغذيته، ودوره والمحافظة عليه واستخدامه في جميع التفاعلات والأنشطة للوصول إلى النتيجة المطلوبة أو القرار الصائب أو الحكم السليم.

وقد حث القرآن الكريم الإنسان على معالجة الأفكار واكتساب العلم والبحث عن الحقيقة والنظر إلى الأمم والأحداث والغيبيات والإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر باستخدام جميع عمليات التفكير والإدراك والفهم والتحليل والاستقراء والتي يمثلها العقل واللُّب والنُّهَى والقلب والحِجْر والفكر والتفكر: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ البقرة 171 ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ البقرة 269 ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه 128 ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ الأعراف 179 ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ الفجر 5 ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر 18 ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرعد 3، وهي إشارات واضحة الدلالة على أهمية استخدام هذه الأدوات والملكات من أجل بقاء الإنسان متيقظا في توظيفها وتنميتها واستخدامها في متطلبات الحياة، وتفسير ظواهرها وحل مشكلاتها ومعالجة صراعاتها، وفهم غايتها والوصول إلى أعلى مراتبها نحو التكامل والتقوى.

والإنسان بطبيعته حريص على سلامة رأسه الخارجي من الأذى والإصابات والألم من دون سائر أعضائه وجسده، ويسعى دائما إلى الاهتمام بعناصر محتويات الرأس وأهمها الشعر وتفاصيله والمحافظة على بقائه من أجل عدم تساقطه والوصول إلى صلعه، وشعوره الدائم أنه يتوجب عليه مكافحة هذا التساقط البطيء ومعالجة جُذوره حتى لا يصل إلى الصلع الكامل، وما يُصاحبه من وصف الإنسان بفقدان الجمال وتقدم العمر، وهو غير مُلتفت إلى أهمية العناية بما يُشير بأصبعه إليه داخل رأسه، وهو إدارة العقل وعملياته وما قد يتعرض إليه من صلع العقول وإلى أي مدى وصل إليه.

فصلع العقول إن جاز وصفه وتشخيصه دلالة على تساقط القيم والاتجاهات والفطرة السليمة وموت الضمير وغياب التقوى في داخل رؤوسنا دون شعور منا بذلك ودون أدنى اهتمام، فعقولنا عند الولادة متعطشة إلى الغذاء والاهتمام والرعاية السليمة في توفير البيئة والمناخ والمدخلات التي تبني أنشطة العقل وتحافظ على مرتكزاته وتُنمي أدواته وتستثمر إمكاناته في مُعالجة جميع البيانات والصور والأفكار والتمييز بين ضارها ونافعها وحسنها وقبحها وأولوياتها، ويكون قادرا على وضع الحقائق في مسارها واكتشاف مزيد من عالمها.

فالجهل وتفشي الأمراض الخُلقية واللهث وراء كسب الماديات والبعد عن تطبيق تعاليم الدين الحنيف الوسطية وانتشار الأمراض الجسدية، وزيادة الصراع المذهبي والطائفي والقبلي، وانتهاك حقوق الإنسان وقلة الثقافة والمعرفة والتقليد الأعمى في الموروثات والعادات والأعراف، هو نتيجة حتمية لصلع عقولنا الذي ماتت فيه مقومات الحياة، وغابت عنه دعم بقائها حتى أصبح الإنسان بلا وعي بصلع عقله وزيادة قوة شهواته وانعدام ضميره، وزادت الحاجة يوما بعد آخر إلى القوانين والأنظمة الصارمة لكبح جماح تجاوزاته وعدوانيته وتنامي حيوانيته وعجزه المستمر عن علاج تساقط فطرته، وموت إنسانيته التي كرمه الله بها، فكما أننا ننفق الوقت والمال والجهد على الحفاظ على شعر رأسنا من التساقط ومنع ظهور الصلع الذي لا نرغب فيه، فنحن بحاجة أكبر وأقوى من أي وقت مضى إلى حماية ووقاية أنفسنا من صلع العقول وتجريدها من نعمة العمليات العقلية ونشاطاتها الهادفة التي تأخذنا إلى السعادة والارتقاء بإذن الله.