في حفل زواج كبير بقاعة ماسية وناس كُثر، قُدر لي الجلوس بجانب ذلك الخمسيني من العمر وكنت أعرفه وغبت عنه ما شاء الله، سألته عن حاله وصحته، فأجاب أما الحال فيُجيبك المُبدع محمد عبده «تنشد عن الحال، حالي كيف ما شفته؟ هذا هو الحال!» وأما صحتي فلدي سكر وضغط والدهون ضاربة السقف ومفاصل وما خُفي كان أعظم.

في الوقت الذي كان يتحدث معي كان يُراقب الساحة بدقة مُتناهية، ويقطع شكواه الصحية ليسب هذا ويلعن ذاك، وشف كيف دخل هذا، وأين جلس ذاك، والناس ما تستحي ولا تقدر، وفلان ما تعرفه خبيث وعلان أسوأ من فلان وأجلس هنا يا ولد، وقم من هناك يا تلد، والعشاء يبدو «جمل كبير» وهم يقولون «حاشي صغير» وأحس القهوة ما نضجت ويقولون العريس بيروح ماليزيا، لو أنه جلس حول أهله كان أفضل، وأم العروس مرقدة في المستشفى، وكان من الواجب تأخير الزواج، وعلى هذا المنوال كان صاحبي يتكلم بعدائية «hostility» وعدوانية «Aggressiveness» وغضب «Anger» شديد طول فترة الجلوس، وعندما حانت ساعة الدخول لقاعة الأكل أصر علي للبقاء معه واستجبت له وما أهالني هو دخوله المُفأجى على الشحم واللحم بطريقة تُوحي أن له بضعة أيام لم يأكل، «ودحس» معدته «دحسا» للثمالة ثم أنصرف لركن الحلويات وصال وجال، وختم الجولة «بأم علي».

تذكرني صاحبي ثم عاد واستدعاني ورجعت معه لنفس المكان، في هذه الأثناء رأيت أبا العريس قادم ناحيتنا وخشيت أنه قد علم كمية «الحش» الذي أتحفني به صاحبي طول الليل، ولكنه قطع أفكاري السوداوية ليطلب مني كلمة بهذه المناسية السعيدة، حاولت الاعتذار فلم يقبل توسلي، توكلت على الله وكنت في حيرة ماذا لعلني أتحدث عنه في تلك الأمسية؟ فكرت واستقر الرأي للحديث عن السعادة «Happiness» تمشياً مع مُناسبة الزواج.

عادت بي الذاكرة لزمن «الصحوة» القريب عندما كان يأتي الداعية أو طالب العلم ليتحدث ليلة الفرح عن عذاب القبر والنار والجحيم وأهواله ويغوص في الوصف لدرجة أنه يُخيل لي أنه مات ثم عاش، ليصف لنا تلك التجربة المُروعة عيانأ بياناً، ثم تبدأ مراسيم الفرح بسباق «البالونات» والتي تُربط في «أكرع» الرجال والغلبة لمن حفظ «بالونته» سليمة ليُعطى جائزة عبارة عن شريط إسلامي يتحدث عن عذاب القبر والنار وأهوال القيامة وكُتيب في ذات السياق، لينتهي الفرح بسوداوية صنعها «الصحويون» ومن ثم يكملون ليلتهم «سعداء» بصناعة الحزن للآخرين.

تناولت المايكرفون وتحدثت عن السعادة وكيف تُصنع وما هي مُقوماتها مع تركيز خاص حول نمط الحياة المُعاش كونه قاعدة السعادة وقليلا من النكت، رغم أن سمتي ليست صناعة النكت، فلم أعتلي مسرحا طوال حياتي للتمثيل، وكنت الوحيد الذي لم يشارك في أي مسرحية مدرسية طيلة سنواتي العجاف ولم يُعرف عني سوى الجدية «Seriousness».

تفاعل الجميع مع الكلمة وشعرت بسعادة غامرة كون السواد الأعظم سره الموضوع وهذا لا شك مُؤشر جيد لتقبل صناعة السعادة، عُدت لصاحبي الذي لم يرق له الحديث عن السعادة، وقال لي السعادة في طاعة الله فقط واتركوا عنكم «الخرابيط»، وصاحبي من جلس وهو يأكل في لحوم البشر ويتحدث بكمية حسد وحقد تكفي أمة، ليقل اتركونا نعيش بصحة وسلام وما خرب حياتنا والله إلا نصائحكم، وهذا لا شك هروب من الواقع الذي يعيشه صاحبنا.

إنه نمط الحياة غير الصحي «أحبتي» وما يفعله في الصحة بشكل عام، إنها صناعة الضغوط وما تتركه من دمار شامل على جودة الحياة، إنها صناعة التعاسة والمرض والمعاناة والشقاء والبؤس والتي تتنافى مع جودة الحياة، الاحتياج هو للوجه الآخر من العملة!! وللحديث بقية.