ولعلنا نستفتح القول في مسألة الهوية الوطنية بفكرة أظنها صوابا محضا: وهي أنه لا توجد هوية وطنية تولد مكتملة النمو، صحيحة الأركان، سليمة الحواس، فالوطنية ليست حقيقة جامدة، ولا معنى نهائيا يستقر في وجدان الناس من البداية، كما أنها ليست قالبا جاهزا يلقى على المجتمع من خارج تاريخه وواقعه وجغرافياه، فالهوية الوطنية، في معناها العميق: مسار تَشكُل طويل، ووعي متراكم، ومفهوم جماعي نضج تحت ضغط التاريخ والمصلحة والمصير، ومن هنا فإن الحديث عن الهوية الوطنية السعودية بوصفها انتقالا من السيولة إلى التشكل، ليس حديثا عن غياب ثم حضور، وإنما حديث عن معنى كان موجودا على نحو مبعثر، ثم أخذ يتحدد، ويتماسك، ويغدو أكثر وعيا بنفسه، وأكثر قدرة على جمع الناس داخل سردية واحدة، ومشروع واحد، ومصير واحد.
والسيولة لا تعني انعدام الهوية، وإنما تعني أنها لم تبلغ اكتمالها في وقت ما، إذ كانت الانتماءات والهويات الهامشية مقابلة الهوية الأم حاضرة بصورة أعلى، كما أن المرجعية العليا الجامعة لم تكن قد استوت في صورتها النهائية، فقد كان المجتمع يعيش داخل دوائر متعددة للتعريف والانتماء مثل: القبيلة، والمنطقة، والبلدة، والمذهب، والنسب، والحرفة، وشبكات القرابة، والامتدادات الاجتماعية، وفي مثل هذه الحالة لا يكون الإنسان بلا انتماء، لكنه يكون موزعا بين انتماءات متراكبة لم تنتظم بعد داخل صيغة وطنية عليا حاسمة بالمعنى المطلوب القادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي المخيف. أما التشكل فهو لحظة انتقال هذا التعدد والتنوع من حالته المبعثرة إلى وعي جامع يعيد ترتيب ما تحته، ويمنحه معنى أوسع، ويوجهه نحو وحدة أكبر، ولهذا فليست السيولة ضعفا خالصا، لكنها تظل حالة قابلة للالتباس والاختراق وإعادة التعريف من الخارج، بينما يعني التشكل رسوخ المعنى في الوجدان، والسلوك العام.
وفي الحالة السعودية تبدو هذه الفكرة أكثر عمقا وثراء؛ لأن السعودية لم تنشأ في فراغ اجتماعي، ولم تقم على أرض خاوية من الروابط والدلالات، وإنما قامت في فضاء غني بالتنوع الإنساني، والخصوصيات المحلية، والمراكز الدينية، والامتدادات التجارية، والمدارس العلمية، وأنماط العيش المختلفة، ضمن بيئات شديدة التنوع والتباين ثقافيا: نجد والحجاز والأحساء وعسير ونجران وجازان والجوف.. إلخ، وشديدة التنوع والتباين طبوغرافيا: الساحل والواحة والجبل والصحراء، ناهيك عن بيئات التماس مع الجغرافيا المغلقة الداخلية، أو الجغرافيا المفتوحة المتاخمة للبحار أو دول الجوار، ولكل بيئة منها ذاكرتها وإيقاعها ومفرداتها، ولم يكن هذا التنوع والاختلاف في زمن ما قبل التوحيد وأثناءه وبعده بقليل سوى تحد عميق، وهوة سحيقة واجهت مشروع الملك الموحد الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فهي عملية نقل حضاري وسياسي ووجداني قبل ذلك من فسيفساء اجتماعية جغرافية متراكبة ومتفرقة إلى هوية وطنية جامعة، وعملية نقل مجتمعات بشرية متباينة من التعايش المتوازي إلى العيش بانتماء إلى هوية كبرى جامعة، ثم تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة لا مادة تنازع.
غير أن الملك عبدالعزيز استطاع تجاوز هذه المعضلة بقدرة استثنائية على خلق هوية وطنية جامعة، ليس بالقوة العسكرية، وليس بقوة السياسة والدهاء، وإنما بصدق النية والتوجه وصوابية المشروع السياسي الجامع، فقد أسس دولته على مجموعة من الركائز والأسس الراسخة التي استمدت قوتها من الدين والتاريخ والقيم، نافيا عنها وبشكل قطعي أي أساس من عصبية قبلية أو إقليمية، مع القدرة التامة على ذلك، وكان مبدأ هذه الأسس ولبها الحفاظ على القيم العربية والإسلامية الأصيلة، والعدل والشورى والمساواة والولاء والطاعة، واحترام النظام وتنفيذه، واحترام الاختلاف المذهبي، وخدمة الحرمين الشريفين وتوفير الأمن والرعاية لضيوفهما. وهذه الأسس والمقومات لم تكن في يوم من الأيام مجرد شعارات، بل هي واقع ترجم في بناء الدولة واستمرارها، وكانت آخر ما ختم الموحد العظيم حياته بها هي الوصية الجامعة التي وجهها إلى ابنه وولي عهده (الملك سعود لاحقا) في 18 من المحرم سنة 1352هـ، والتي حوت مضامين عميقة تعكس تلك الأسس التاريخية والحضارية للدولة السعودية، وترتكز على ثلاثة أمور أساسية: الأمر الأول (الأساس الديني)، والأمر الثاني (العدل والمسؤولية تجاه الرعية)، والأمر الثالث (التعامل الإنساني والأسري مع الرعية)؛ بحيث يُجعل «كبيرهم والدا، ومتوسطهم أخا، وصغيرهم ولدا».
إن الهوية الوطنية ليست معطى طبيعيا صرفا، وإنما هي بناء تاريخي، وهي ليست نتيجة تلقائية للتواجد المكاني المشترك وحده، وإنما ثمرة عمل طويل تشترك فيه الدولة، والتعليم، والذاكرة العامة، والرموز، والمؤسسات، والتجربة المشتركة، وبذلك يتضح الفارق العميق بين المجتمع قبل الدولة والمجتمع بعد الدولة، فقبل اكتمال الدولة تكون الروابط القريبة أكثر حضورا في الوجدان من الرابطة العليا، ويغدو الانتماء إلى الحيز المحدود أكثر تماسا مع الحياة اليومية من الانتماء إلى المجال الأوسع، أما مع قيام الدولة، فإنها لا تدير الناس إداريا فقط، وإنما تبدأ في صناعة شعب من جماعات، ونقل المجتمع من الاجتماع الأهلي المبعثر إلى الاجتماع الوطني المتماسك.
هنا تبرز الدولة السعودية بوصفها لحظة تأسيس للمعنى بقدر ما هي لحظة تأسيس للجغرافيا، فمن الخطأ اختزال بناء الدولة في توحيد الأرض أو ضبط المجال السياسي فحسب؛ لأن الأعمق من ذلك أن الدولة أعادت ترتيب الولاءات، ونقلت الناس من انتماءات الحماية المحدودة إلى انتماء السيادة الجامعة، ومن الرعية المبعثرة إلى الشعب الموحد، ومن التجمعات البشرية المتجاورة إلى الوطن، فالأرض لا تصبح وطنا لمجرد أنها مرسومة على الخريطة، وإنما تصبح وطنا حينما تغدو حيزا للسيادة، والذاكرة، والالتزام، والاعتزاز، والملك الموحد -طيب الله ثراه- بعد أن وحد البشر والأرض، أعاد تشكيل وعي الرعية بأنفسهم، وبعلاقتهم ببعضهم، وبعلاقتهم بالدولة والقيادة والوطن.