لم يعد الاحتفال بالأعراس في مجتمعاتنا مناسبة لإشهار الزواج ومشاركة الفرحة مع الأهل والأصدقاء، لقد تجاوزنا هذه المعاني كثيرا وبشكل مفرط حتى أصبحت حفلات الأعراس صناعة اقتصادية قائمة بحد ذاتها، من قاعات الأفراح الباهظة إلى شركات التنظيم والخدمات ومرورا بمصممي الأزياء والمصورين والمطربين ومتعهدي الطعام وحتى مؤثري منصات التواصل. ولو تأملنا هذه المنظومة الضاغطة لوجدنا أنها في حقيقتها تبيع فكرة محددة عن الزواج، وهنا تكمن خطورتها. إن قيمة العلاقة هنا تقاس بحجم الإنفاق، وأن نجاح الزواج مرهون بقدرة العروسين على إبهار الآخرين.

المشكلة ليست في وجود هذه الصناعة بحد ذاتها فكل مناسبة احتفالية من الطبيعي أن تخلق سوقا وخدمات وفرص عمل. لكن المشكلة تبدأ عندما يبدأ السوق في تشكيل المعنى الإنساني للعلاقات. فالزوج (الشاري) هو الذي يستنزف كل مدخراته ويتحمل الديون ويرتهن لسنوات قادمة في سبيل إقامة حفل يتحدث عنه القاصي والداني. والزوجة ذات (الاستحقاق) الرفيع هي تلك التي تظهر أمام (الآخرين) في إطلالة مكلفة يمكن حسابها بالأرقام! هكذا تغيرت تماما كل معاني الحب والتقدير والكرم والفرح الحقيقي والبدايات الواعدة.

لا أبالغ إذا قلت إن بزنس الأعراس في حقيقته يبيعنا مهدئات للخوف، الخوف من كلام الناس، أو من الظهور بمظهر أقل وجاهة أو كرما أو جاذبية! وهنا لا يصبح قرار إقامة حفل ضخم هو قرار حر بالكامل، بل استجابة لضغوط اجتماعية تم ترسيخها عبر سلاسل التسويق والمقارنات.


السوشيال ميديا أيضا تضخ سيلا من الخدع التي تشكل صورة ذهنية لما ينبغي أن يكون عليه الزواج من مظاهر مادية. صورة لا علاقة لها بالاحتياجات الحقيقية للعروسين، بل بما يتوقعه الجمهور المحيط بهما.

لقد استطاعت هذه المنظومة إقناع كثيرين بإنفاق مبالغ طائلة على فستان وباقات ورود وعشاء فاخر وتفاصيل كثيرة تهدر في ليلة واحدة يحضرها أشخاص غالبا لا تربطهم بالعروسين علاقة عميقة، بل إن معظمهم سيجد أن العشاء كان متأخرا أو الضوضاء عالية او التكييف بارد أو أخت العريس زعلانة أو أخت العروس مطفوقة! سيبقى دائما شيء ما لم يكن على أكمل وجه.

الكارثة هي تلك التي تأتي بعد إسدال الستار على الاحتفال بالعرس، وهنا يستوعب الزوجان أنهما يبدآن الحياة الجديدة تحت وطأة القروض البنكية والضغوط المالية. وأن هذه الأموال التي اختفت في ساعات لم تصرف على شيء يرفع جودة حياتهم، لم توضع في أصل، أو تستثمر في مشروع، أو تدخر للمستقبل.

اليوم لا بد أن تستوعب الأسر والأجيال الجديدة حجم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدث في العالم، يجب أن نتدخل بوعي لكسر هذا النمط الاستهلاكي للزواج والذي يرهق كثير من الشباب المقبلين على الزواج. وترسيخ أنماط رشيدة تعتني بجوهر الزواج كشراكة إنسانية وانتقال لمرحلة تجلب الاستقرار النفسي والراحة والطمأنينة وليس العكس.

وأعتقد أنه كلما اقترب الناس من هذا الجوهر، تراجعت قدرة السوق على ابتزاز مخاوفهم وتسويق الأوهام لهم.

في النهاية، مقاومة الإنفاق هي أكثر أشكال الحرية ندرة، ذلك أنها تحتاج شجاعة كافية للخروج على التقاليد السائدة والتفكير في الآثار المترتبة على تحويل الزواج من مناسبة عاطفية وإنسانية حقيقية وبخاصة إلى فعالية عامة للاستعراض الاجتماعي الزائف وتعظيم أرباح التجار، والتفريط في موارد الأسرة الناشئة وتقليل فرصها وإمكانياتها لسنوات قادمة.