كل يوم تنشر عشرات الدراسات العلمية حول الصحة والمرض. وتحدث التوصيات الطبية باستمرار بناءً على تراكم هائل من الأبحاث والبيانات. ومع ذلك قد تتمكن قصة شخصية واحدة في وسائل التواصل الاجتماعي من إقناع الناس أكثر مما تفعله سنوات من البحث العلمي.

هذه ليست مشكلة في العلم إنما في الطريقة التي يصل بها العلم إلى البشر. قبل فترة، كنت أستمع إلى حديث في أحد المجالس. بدأ أحد الحضور يروي قصة قريب له عانى سنوات طويلة من مرض السكري. تحدث عن المواعيد الطبية المتكررة، والأدوية التي جربها، والفحوصات التي لم تتوقف. ثم صمت قليلاً وقال: «لكن الذي غير حياته فعلاً كان شيئاً مختلفاً تماماً.»

في تلك اللحظة تغير كل شيء هدأت الأحاديث الجانبية وارتفع مستوى الانتباه، وأصبح الجميع ينتظر بقية القصة. لم يسأل أحد عن الدراسات التي تدعم ما سيقال، ولا عن حجم العينة أو قوة الدليل. لأن ما جذبهم لم يكن المعلومة ولكن الرواية.


هذه الظاهرة ليست جديدة فالإنسان عرف القصص قبل أن يعرف المختبرات واستمع إلى الحكايات قبل أن يقرأ الدراسات. ولآلاف السنين كانت القصص هي الوسيلة التي نفهم بها العالم ونتعلم من خلالها المخاطر والفرص والخبرات.

لهذا السبب ما زالت القصص تحتفظ بقوة استثنائية حتى اليوم فإذا أخبرك أحدهم أن دراسة شملت عشرة آلاف شخص أظهرت انخفاضاً في خطر الإصابة بمرض معين بنسبة محددة، فقد تهز رأسك باهتمام ثم تنسى الرقم بعد ساعات. أما إذا روى لك شخص معاناته مع المرض وكيف غير قرار معين مسار حياته فغالباً ستبقى القصة في ذاكرتك لفترة أطول بكثير.

هذه ليست علامة على ضعف التفكير ولا دليلاً على قلة الوعي. إنها جزء من الطريقة التي يعمل بها العقل البشري.

هنا تظهر المفارقة التي يواجهها الطب الحديث فالعلم يتحدث بلغة الاحتمالات. الدراسات تشير، والأدلة ترجح، والنتائج تختلف من شخص إلى آخر. أما القصة فتتحدث بلغة أكثر بساطة ووضوحاً: مشكلة، وصراع، وتحول، ونهاية يمكن فهمها بسهولة.

العلم يقدم الفهم أما القصة فتمنح المعنى. والإنسان يحتاج إلى الاثنين معاً. ولعل هذا يفسر لماذا نجحت كثير من الحملات الصحية الكبرى عندما تجاوزت مجرد عرض المعلومات إلى تقديمها في قالب إنساني مؤثر. فالناس قد لا يتذكرون الأرقام، لكنهم يتذكرون الشخص الذي أقلع عن التدخين، والمريض الذي اكتشف السرطان مبكراً، والأسرة التي تغيرت حياتها بسبب قرار صحي بسيط.

لكن قوة القصة تحمل معها خطراً موازياً فإذا كانت القصة قادرة على نقل الحقيقة إلى الناس بعمق، فهي قادرة أيضاً على نقل الوهم بالعمق نفسه. شهد العالم خلال العقود الماضية أمثلة عديدة على ذلك. فلقاحات أنقذت ملايين الأرواح وجدت نفسها أحياناً في مواجهة قصص فردية مؤثرة أثارت الخوف أكثر مما فعلت الأدلة. وانتشرت أنظمة غذائية وعلاجات بديلة بين أعداد كبيرة من الناس لأنها قدمت داخل قصص تحول شخصية جذابة رغم أن الأدلة العلمية لم تدعم كثيراً من ادعاءاتها.

ولعل ما نشهده بين الحين والآخر من انتشار بعض الاتجاهات الصحية أو الغذائية عبر قصص النجاح الفردية يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فحين يروي شخص تجربته المؤثرة مع مرض أو معاناة طويلة ثم يربط تحسنه بحل واحد بسيط، تصبح القصة أكثر إقناعاً من عشرات الدراسات بالنسبة لكثير من الناس.

القصة المضللة لا تنجح بالضرورة لأنها تكذب بشكل مباشر. بل لأنها تؤدي وظيفتها بكفاءة عالية تمنح تفسيراً بسيطاً لمشكلة معقدة وتملأ فراغاً عاطفياً، وتقدم أملاً يمكن تخيله ولمسه.وهنا تكمن المشكلة الحقيقية فالتحدي لا يقتصر على تصحيح المعلومات الخاطئة أو نشر المزيد من الدراسات. المشكلة أعمق من ذلك إنها تتعلق بالفجوة بين الطريقة التي ينتج بها العلم والطريقة التي يفهم بها الناس العالم من حولهم.

لذلك فإن السؤال لم يعد: هل نمتلك الأدلة؟ فالطب الحديث يمتلك من الأدلة والمعرفة أكثر مما امتلكه في أي وقت مضى ولكن السؤال الأهم هو: هل نجحنا في تحويل هذه الأدلة إلى قصص يفهمها الناس ويثقون بها ويرون أنفسهم داخلها؟

بناء الجسر بين العلم والإنسان أصبح جزءاً من مهمة الصحة العامة نفسها. وهذا يتطلب من الأطباء والباحثين وصناع السياسات أن يتقنوا السرد بقدر ما يتقنون البحث وأن يتذكروا أن وراء كل رقم إنساناً حقيقياً وأن قصة ذلك الإنسان قد تكون أحياناً أقوى وسيلة لنقل الحقيقة العلمية إلى الآخرين.

في عصر تستطيع فيه قصة شخصية أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات بينما قد تبقى دراسة علمية مهمة محصورة بين المتخصصين لسنوات، لم تعد معركة الصحة العامة تدور حول إنتاج المعرفة فقط إنما حول إيصالها أيضاً. لأن الحقيقة العلمية لا تغير حياة الناس بمجرد أن تكون صحيحة.

إنها تغيرها عندما تجد طريقها إلى الإنسان، وربما كانت معركة الصحة العامة في عصرنا أقل ارتباطاً بإنتاج المعرفة وأكثر ارتباطاً بروايتها.