في كل مرة تتعرض فيها دول الخليج لاعتداءات مصدرها الأراضي العراقية يعود إلى الواجهة الخطاب الذي يحاول الفصل بين ما يسمى «الحشد» و«الفصائل» وكأننا أمام كيانين منفصلين لا تربطهما قيادة ولا مرجعية ولا تمويل ولا قرار ميداني. هذه الحجة أصبحت تقدم كتبرير دبلوماسي جاهز رغم أنها ليست مقنعة سياسيا ولا قانونيا. فكيف يمكن لكيان يحمل السلاح ويتحرك داخل الجغرافيا العراقية. ويعلن مواقفه وأهدافه أن يكون خارج مظلة الدولة حين يخطئ، وداخلها حين يراد له أن يشرعن؟ ولماذا إذاً لا تتم ملاحقة هذه الفصائل وردعها بالقانون؟ وللتذكير نتحدث هنا عن مجموعات لها مقرات معلومة وقيادات معروفة، وعدد منها هو داخل العملية السياسية أصلا، أي لا نتحدث عن خلايا نائمة أو عصابات تجرمها الدولة وتلاحقها.

حسناً لنحاول هنا تفكيك هذا المأزق، حيث لم يعد الفصل بين السياسي والعسكري مجرد إشكال نظري، بل واقع يومي يكشف عن عدم وجود سيطرة على الفصائل.

شهد العراق بعد 2003 صعود فاعلين مسلحين انتقلوا تدريجيا من هامش الدولة إلى قلبها ومع تأسيس هيئة الحشد الشعبي عام 2014، دخلت هذه الفصائل بوابة الشرعية الرسمية. لكن دخولها لم ينه حالة الازدواجية بل نقلها إلى مرحلة أكثر تعقيدا. فبدل أن تذوب هذه الفصائل في الدولة، احتفظ كثير منها بهياكله وولاءاته وشبكاته الخاصة، وبدأت في الوقت ذاته تمد جذورها داخل العملية السياسية.


حتى تلك الفصائل التي لم تدخل ضمن هيئة الحشد الشعبي رسميا ظلت مرتبطة بأحزاب سياسية مؤثرة في المشهد السياسي ومرتبطة بدرجات متفاوتة بالحشد الشعبي.

منظمة بدر مثلا لم تكتف بالدور العسكري بل هي حزب سياسي فاعل يشارك في الحكومة والبرلمان ويؤثر في القرار التنفيذي. وعلى المسار ذاته، تسير عصائب أهل الحق التي أنشأت جناحا سياسيا هو حركة «الصادقون»، أما سرايا السلام فهي ترتبط بالتيار الصدري ما يعكس تداخلا بين الزعامة الدينية والتمثيل الشعبي والقوة المسلحة.

في المقابل هناك فصائل لا تعلن أجنحة سياسية واضحة مثل كتائب حزب الله العراق، أو حركة النجباء، أو كتائب سيد الشهداء، لكنها مع ذلك تتحرك عبر تحالفات سياسية في الإطار التنسيقي وهو التكتل السياسي المؤثر في تشكيل الحكومات وتوجيه القرار العام.

نستنتج إذاً أن الفصائل ليست جسما غريبا عن النسيج السياسي، فهي جزء لا يتجزأ من القوى السياسية، وتتمتع بعلاقات مع الحشد الشعبي الذي تعلن الحكومة العراقية أنه مؤسسة عراقية رسمية. ومع كل هذا فإن عدم انضمام الفصائل رسميا للحشد الشعبي يمنحها أفضل فرصة للارتباط بعلاقات خارجية، خصوصا مع الحرس الثوري الإيراني. نتحدث هنا عن شبكة مصالح وامتدادات عقائدية وعسكرية تجعل القرار العراقي عرضة لتقاطعات إقليمية تتجاوز حدوده، وتضعف مركزية الدولة وتشتت قرارها.

المعضلة الحقيقية إذن هي في تحول هذه الفصائل إلى فاعل سياسي كامل يمتلك ثلاث أدوات هي: السلاح، والتمثيل البرلماني، والنفوذ داخل مؤسسات الدولة. وفي هذه الحالة كيف يمكن الحديث عن منافسة سياسية عادلة؟ وكيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تفرض قراراتها على أطراف تملك القدرة على تعطيلها أو الالتفاف عليها؟ الادعاء بإمكانية الفصل بين «الدولة» و«الفصائل» يصبح ضعيفا أمام هذا الواقع. فحين يكون الفصيل جزءا من البرلمان، ومؤثرا في الحكومة، ومحتفظا بسلاحه في الوقت ذاته فإننا أمام سلطتين، حيث تتعايش سلطة رسمية مع سلطة موازية، لكل منهما أدواتها ومصالحها.

عندما نفهم هذا المشهد يمكننا أن نرى لماذا تجر الفصائل العراق إلى مواجهات لا تخدم مصالحه، بل وتضعه في موقف من يدفع كلفة قرارات لم يصنعها بالكامل.

كما يمكننا فهم التناغم بين سلوك الحرس الثوري الإيراني والرسائل النارية التي تطلقها هذه الفصائل باتجاه دول الخليج، والتي لا تقدم أي مكسب للعراق بل تحرجه وتعزله أكثر فأكثر.

يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق حاسم في تاريخه، فإما أن ينجح في احتكار القرار والسلاح معا وفرض سيادة الدولة بالقوة، أو يبقى في متباينة مفادها أن الفصائل أكبر من الدولة.

وأخيرا لعلنا نطرح السؤال الأكثر خطورة: إلى أين سيتوجه هذا السلاح بعد هذه الحرب، وبعد انكفاء إيران وانتهاء مشروعها في المنطقة؟