ما الكرامة وما الشرف؟ ما الحرية وما المجد؟

أسماء فخمة رائعة، ذات أجنحة سحرية عجيبة ننجذب إليها طائعين مسحورين، فتحلق بنا في سماوات من الخيال والأنوار والألحان والمباهج.

أسماء ذات أبعاد ضئيلة، محدودة، ناقصة، يكمن في أطوائها سر من الأسرار لا تحده الأبعاد الواسعة، سر يفيض الخير على جوانب الحياة كلها، ويطوف بالنفوس الإنسانية جميعا فيثير في الضعيف العاجز مجرد الحنين واللهفة والألم، ويحمل القوي القادر على ركوب الأخطار والأهوال والمكاره، وقد ينفخ في الضعيف الحي الطموح قوة تكتسح بذور الضعف، وتصرع عوامل العجز والخنوع والاستسلام...


ما هي هذه الأشياء الحبيبة للإنسان تبهره أضواؤها ومباهجها وتشتد لهفته إليها كلما اقترب منها، ويتغنى بوجده بها في سره وجهره، في صحوه وسكره، في كوخه الوضيع وقصره الرفيع، سواء أكان غبيا أم ذكيا، ضعيفا أم قويا. أكان باديا في الصحراء القاحلة، أم حاضرا في المدينة العامرة؟ أكان فلاحا يتصبب عرقه في حقله، أم عالما يجرب في مخبره وينقب في كتبه؟ ما هذا الهوس المحموم يدفع الإنسان - أفرادا وجماعات - إلى غمرات الموت بين اللظى المستمر والحديد الحاصد، فيندفع راضيا مستعذبا لقيا للشدائد في سبيل ما يدعوه الكرامة والشرف أو في سبيل الحرية ومجد الأوطان، لكأنما هو ــ حين يلقى الشدائد في هذا السبيل ــ إنما يلقى أحبة أعزة في ظلال أمن وارف ودعة ظليلة ناعمة؟ ما هي الكرامة والشرف؟ وما هي الحرية والمجد؟

هل هي حقائق ذات قرار في عالم الحس والواقع: العالم الذي نتعرف إلى حقائقه الموجودة بإحدى هذه الأدوات الخمس: العين التي تبصر الألوان والأنوار والظلال، والأذن التي تسمع الأصوات، والفم الذي يذوق الطعم، والأنف الذي يحس الرائحة، واليد التي تلمس الحرارة والبرودة والخشونة والنعومة؟ هل الكرامة والشرف، وهل الحرية والمجد حقيقة من هذه الحقائق المحسوسة في هذا العالم الواقعي الذي لا يعترينا الريب بوجوده؟

كلا: ليست هي شيئا من هذا كله - كما نعلم جميعا

أتكون - إذن - معدومة لا قرار لها في هذا الوجود الواسع؟

أتكون - إذن - غارقة في بحر العدم اللا نهائي؟

ولكن: كيف تكون الكرامة والشرف، والحرية والمجد عدما من الأعدام وها هي أضواؤها الباهرة تبهر عيون الشعوب الضعيفة والقوية على السواء، وها هي أنغامها الصارخة تدفع بالإنسانية اليوم إلى المجزرة الهائلة الطاحنة، وها هي الدماء البريئة تراق على جوانبها، وقد كانت كذلك من قبل أن يقول الشاعر العربي العظيم:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراق على جوانبه الدم

وستظل كذلك حتى ينصب ميزان العدل أمام الديان الأعظم...

كيف تكون الكرامة والشرف والحرية والمجد عدما من الأعدام وهي نفسها تلف سبعين مليونا ونيفا من العرب بشملة واحدة وهم في رقاع من الأرض متباعدة؛ وهي هي نفسها تشد الأواصر وتجمع القرابات، وتوحد المشاعر بين شعوب العربية على اختلاف الديار والأحوال. وهي نفسها - كذلك - تدفع ببضعة نفر من هؤلاء الشباب المتحمسين إلى المسرح يمثلون - أمام جمهور عربي متحمس - دورا من أدوار جهاد العرب المقدس في سبيل الكرامة والشرف، وفي سبيل الحرية ومجد الوطن؟

إذن: لا سبيل للشك في أن هذه المعاني الوجدانية السامية ليست هي من الأشياء الغارقة في بحر العدم المطلق، ولا سبيل للشك - إذن - بأنها في قرار مكين من هذا الوجود

نعم: هي موجودة دون شك ولكن... ولكن أين يقع محلها في بحر هذا الوجود الأوسع ما دامت لا قرار لها - كما قلنا - في عالم الواقع المحسوس؟

وهنا يبدو لنا سؤال هو مفتاح السر في هذا الموضوع:

ترى: أكان الإنسان إنسانا بمجرد هذا الوجود الحي الواقعي وحده؟ إذن: فما معنى هذه الإنسانية المتبجحة بأسرارها الخطيرة؟ ما معنى هذه الإنسانية المفضَّلة - تفضيلا مطلقا - على كل شيء وهب نعمة الوجود؟... ما معنى هذه الإنسانية المزهوة بعظمتها إذا كان وجودها قائما على جانب واحد هو الجانب الحي الواقعي، الجانب المادي دون غيره؟ وأين يمتاز الإنسان - إذن - عن الحيوان الأعجم إذا كان يشاركه في هذا الجانب المادي من الوجود ثم لا يزيد شيئا بعد ذلك؟

المهم لا: إن هذا الإنسان العظيم لأرفع شأنا، وأجل خطرا من أن تكون إنسانيته العظيمة قائمة على وجودها المادي مجردا، لا يسنده جانب آخر من جوانب الوجود... لا: ليس الإنسان كائنا حيا وكفى... بل إن الإنسان: كائن حي، أعلى، فهو إنسان - إذن - لأنه ذو جانبين اثنين يشارك بأحدهما سائر الكائنات الحية في هذا الوجود، ويتفرد بالجانب الآخر واقفا على قمة الهرم: هرم الحياة

فما هو الجانب الآخر الذي يصعد بالإنسان إلى قمة الهرم؟ هو لون من الوجود أفاضته على هذا الكائن الحي فصار إنسانا، وصار الإنسان سيد الوجود على الإطلاق هو لون من الوجود غريب يأبى التعريف والتحديد، لأنه يسمو فوق الحدود وفوق القيود، وإنما نعرفه بمظاهره وآثاره.

1940*

* باحث وأكاديمي لبناني «1910 - 1987».