يروى أن فرقد السبخي سأل ابن سيرين لماذا احتاج العرب إلى تسمية الرجال في الحديث النبوي؟ فقال: لأنهم اختصموا -بعد مقتل عثمان- وتفرق طريقهم إلى آراء، فمن كان يسير بطريق العرب أخذ حديثه ومن كان يرى برأي غيرهم ترك حديثه. وقد سئل مالك بن أنس ماذا قصد ابن سيرين بطريق العرب؟ فقال: «أهل السنة هم الذين ليس لهم لقب يعرفون به». وجواب مالك يراد به أن الطريق كان واحدًا متصلًا، وهذا الطريق الوحيد لا اسم له إلا السنة، وكلما أنشئ طريق جديد أعطي اسمًا يصفه بدقة كجهمي وقدري وغيرها. والسؤال لماذا عد مالك طريق السنة هو طريق العرب؟ للجواب على هذا أتذكر أن الأديب ابن قتيبة -خطيب أهل السنة- لما سمع أحد طلابه في الدرس يقول عن الشيخ الأكبر الجاحظ خطيب العرب، قال ابن قتيبة بل هو خطيب المعتزلة، وهو أكذب الأمة. فما الذي أغضب ابن قتيبة؟ وهل يلتقي غضبه بربط مالك بن أنس بين لفظ العرب ولفظ السنة؟

هذا الربط لا بد أن يرجعنا إلى العربي قبل الإسلام، ذاك الذي ينظر إلى معيشته ووجوده نظرة بسيطة تتعلق بالحواس وما ينتج عنها، يحجم الغيب لصالح قوى الطبيعة والدهر، ولم يكن يتساءل عن المعنى المتعالي للوجود؟ وكان الدين عنده إما اقتباسا من أقوام آخرين دون أن ينفذ إلى تشكيل الوجدان والحياة الطبيعية، أو ديانة بما يناسب الحياة الواضحة المحسوسة، وهو التعاطي مع أفعال الدهر بوصفها القوة التي يتصارع معها الفرد، وأما الأخلاق فقد كانت عملية مباشرة ينظمها العربي بخيط الجماعة، فهم قد أوجبوا إقراء الضيف، وأعطوا للجار حقوقًا، وألزموا الوفاء بالعهد، وإغاثة الملهوف، وكل ذلك تحت عمل الجماعة، وليس تحت طبيعة وجودية في العربي، إذ لو ترك الفرد العربي الجماعة قد يكون بخيلا، وقد لا يفي بالعهد، ولا يقرئ الضيف، فليس ثمة طبيعة ثابتة، إنما هو فعل الجماعة ولوازمها. ولما جاء الإسلام نظم هذه الصفات دينيًا بجعل الاعتصام بالجماعة واجبًا، له مغانمه في الآخرة، وبجعل النظرية المعرفية تقوم على الإسناد، أي إن الوسيلة الحسية لإثبات الوحي وصدقه هو السمع المباشر الذي تتناقله جماعة عن جماعة، وبهذا يكون الإسناد هو التجسيد المادي للفكرة الدينية لتتناسب مع عقلية عربية لا تقبل الميتافيزيقا، ولكن لما تحارب العرب بعد مقتل عثمان انكسرت هذه الوحدة الجماعية وصارت كل فرقة تجر النار إلى قرصها وذلك بتأليف الأحاديث ووضعها على لسان النبي. هنا نفهم سؤال أول المقالة وهو لماذا عد مالك بن أنس طريق السنة هو طريق العرب؟ فأهل السنة الذين عناهم مالك هم الذي تشبثوا بمفهوم الإسناد كما هو عند العربي المرتبط بتاريخ الجماعة العربية قبل الإسلام، وأما الفرق الأخرى فقد انتقلوا إلى مفاهيم أخرى غير الإسناد، وهذا ما يفسر غضبة ابن قتيبة على الجاحظ ووصفه بأكذب الأمة، لأن القرن الأول الهجري ركز على منهجية «سموا لنا رجالكم»، لضبط الإيقاع ما بعد النبوي على طريقة العرب وسنتهم المتأصلة لمئة سنة قبل الإسلام، وذلك من أجل تأمين النص من الاختراق القومي والشعوبي، وليكون السند هو التجسيد المادي لصدق المعرفة، وقد بلغت هذه المنهجية ذروتها مع ابن حنبل الذي حرص على تمحيص النص وتنقيته من المدخلات غير العربية، ومع القرن الثاني تعقدت الحياة المدنية ودخلت أمم أخرى في التاريخ العربي ولم تعد منهجية الإسناد قادرة على منع السيل من جرف كثير من آثار العرب، لهذا تأسست حركة عقلية أرادت التحرر من قيد (تسمية الرجال)؛ فالإسناد لا يجيب عن أسئلة الفلسفة الإغريقية، ولا عن مشكلات لاهوت بني إسرائيل، فصنعت هذه الحركة مصدرًا غير عربي للحكم على الأشياء وهو الاحتكام إلى العقل المجرد، وقد مثلت المعتزلة هذه النزعة، ومنهم الجاحظ في عز جبروته اليقيني، وعلامة ذلك هيمنة هذه النزعة على حكم البلاط العباسي في فترة محنة خلق القرآن، ومحاولتهم إخضاع صفات الله وغيبيات الدين للمنطق الصارم، إلا أن هذه العقلانية تمددت حتى أحالت الدين والوجود إلى لاهوت منطقي صارم، وهذا ما كان يخيف الجاحظ -شيخ البيان- من فعل جماعته؛ لهذا جاءت ردة فعل بمسارين: مسار سني -بعد الانتصار السياسي النسبي- لإحياء الإسناد، ولكن هذه العودة كانت بائسة وغير مجدية على المستوى المعرفي؛ لأن الأدوات قد استنفدت صلاحيتها في مواجهة تعقيدات مجتمع شعوبي ممزق. ومسار تصوف حدسي في القرن الثالث مع الحارث المحاسبي؛ حاول أن يعالج التجربة المباشرة تلك التي بلغت أوجها في مرحلة الإمام الغزالي الأخيرة في القرن الخامس، إلا أن تلك الحلول كانت تلغي غيرها بالضرورة، وفي لحظة التأزم انبرى الجاحظ ليجمع شتات التجربة الإنسانية بين الأقوام وأهل السنة ويجعل الخيال أرقى أدوات المعرفة دون أن يلغي الحلول الأخرى، فهو قد يروي الخبر إسنادًا، ويفككه بالمنطق، ويستنبط منه مفارقات النفس البشرية حدسًا وتجربة. هنا نفهم غضبة ابن قتيبة الدينوري ووصفه للجاحظ بأنه أكذب الأمة، أي إنه أراد أن يقول لنا إن الجاحظ نقل الخيال إلى رتبة عليا، إلى قوة تدمج الأضداد، إلى جمع الشيء ونقيضه في الأعمال الدينية والأدبية، وجعل الفنون الفارسية والهندية وآدابهما جزءًا من السرد العربي والتفكير الاجتماعي، وبما أن كل ما هو متخيل مختلق، وكل مختلق كذب، فالمتخيلون كذبة، والذي جعل الخيال على عرش المعرفة هو أكذب الأمة.

التفاتة:


حرص ابن سيرين أن يروي عن ابن عباس حديث: «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا» لأن من كان صادقا في حواسه كان صادقا في منامه، وحينها تتطابق الآخرة والدنيا كطريق واحد واقعي هو طريق السنة.