تاقف محاذاة القمر يا قمر نجد
مدري تمد النور أو تستمدّه!
كن الضياء في عينك المدعجه هجد
تاوي على أهدابك وسيفك يحدّه
اليا مضى ثلثين ليلٍ على الوجد
زجرت طيفك والمشاعر تودّه
عندما نتأمل أشعاره نجد أنه يكتب بصدق عاطفي، وبراعة لغوية، وخيال خصب، وبلاغة تصويرية. تأمله في هذه الأبيات التي يصور فيها معاناة عاطفية ظهرت بوادرها مع قدوم «فبراير» ولا يقصد الشاعر ما يعنيه شباط أو فبراير في الثقافة الحديثة من رمزية رومانسية، وإنما يقصد البرودة القاسية، فرغم شدة البرد ورياحه الشمالية إلا أنه يشعر بلهيب العاطفة، فقد بلغ ولعه أقصى درجات الشوق وعمق العاطفة. أقبل شباط وزاد برد الليالي
والنار في جوفي تدفّق ضلوعي
كلٍ مع خلّه بدّا الليل سالي
وأنا خليلي في وصاله قطوعي
والظبي لو يسرح يميني وشمالي
ما تلد له عيني وقلبي منوعي
يا كيف ابترك من رموشه ظلالي
والحب ما هو تحت أمري وطوعي!
عزاه يا قلبٍ صدوقٍ موالي
يا ليت مثلك كل أبوهم ربوعي
ما كان بحت وصحت يا همّلالي مير البطي خلّ الهواوي قنوعي
ولكن تظل مدينة «رغبة» تسكن وجدان الشاعر، وهي حالة شعورية عميقة من العشق والحنين إلى المدينة تتجاوز الجغرافيا، لتصبح علاقة وجدانية تربط الشاعر بهوية وذكريات المكان لتصبح «رغبة» جزءا من كينونته، ومرآة واقعه، وتكوينه العاطفي: حي السحاب اللي مزونه مراهي شإليا عطى ما يعطي إلا السماني
ياللّه عسى نوك بغيث المعاطيش يسقي ثرى لذّه وخشّم الحصاني
وأم الشقوق اللي لفوها مطاريش منصى هل العارض وضلع المحاني
والمرقب الشامخ شعار المداغيش ظلّ البصيرة لا تردّى الزماني
لا جيتهم تلقى الوجيه المباشيش الضيف يلقى له ملاذٍ ومكاني
حتى النخيل اللي تبي لقمة العيش
دنت رطبها في صحونٍ وصياني
والشاعر في تجربته يوازن بين العاطفة والعقل والجمال والمنطق، فلديه القدرة على صياغة خلاصة تجاربه في أبيات موجزة ومؤثرة يغوص فيها في أعماق النفس، يمزج فيها العقل بالتجربة ويصوغ خلاصة تجاربه في قوالب شعرية:
ما سمعت إن البحر أنقذ غريق
ولا خبرت إن السما تمطر ذهب
كل مجدٍ له مداهيل وطريق
وكل عزٍ له مشاغيل وتعب
اطرد أوهامك وخلّ عزمك رفيق
يسندك لا صار في دربك نشب
واللبيب اللي عطى نفسه بريق
يوم بعض الناس ما تتبع سبب
وفي هذه الأبيات يخاطب الشاعر حمام الدوح، ومخاطبة الحمام صورة رمزية في الشعر العربي خاصة الشعر الوجداني، تحمل دلالات ترتبط بالشجن والبوح والبين والفراق، والشاعر يخاطب الحمام كصديق يشاركه آماله وآلامه:
يا حمام الدوح شفّت الحزن ماليك
تنشد وقلبك من الأيام معطوب
ما فزعت من البشر والناس ترميك
مؤمن وتدري بأن الرزق مكتوب
الله اللي دايم بلطفه ينجيك
والله اللي ينصرك لا صرت مكروب
الحزن لا مر قلبك فلّ جناحيك
اكفخ بصدر السما لا صرت مصيوب
لو قسى وقتك وضاقت من حواليك
الصبر في مجمل الأحوال مطلوب
قبلك اخيار البشر تشكو مشاكيك
قد شكا حزنه لرب الكون يعقوب
لا تعقّد حجاجك ويفرح معاديك
كل شي بدبرة القيوم محسوب
عود لوكناتك وخل مصافيك
ما يضيق اللي بقى له أهل وصحوب، ولكن تظل المعاناة المحرك الأساسي للشاعر حيث يحول آماله وآلامه إلى أبيات خالدة، فغالبا ما تكون المعاناة الوقود الذي يغذي الخيال، والمتنفس لتفريغ الشحنات العاطفية. فالشاعر إنسان قبل أن يكون فنانا ومعاناته هي التي تمنح شعره الخلود. يتصف الشاعر بالحكمة والتي تعد غرضا أصيلا في تجربته، حيث تظهر بوضوح في ثنايا قصائده.
ولكن يظل الوطن رمزا خالدا في تجربته الشعرية، حيث يمثل الملهم للشاعر والعلاقة الأزلية. وقد تغنى الشاعر بأمجاد الوطن وقادته وتاريخه وحضارته:
يا من خلق خلقه وزكّى نبيّه
ونجّى كليمه من دعاة الأباطيل
ربّ السما ربّ الثرى والثرية
أمسير الأفلاك ومدبّر الليل
احفظ بحفظك البلاد الآبيّه موطن رسول الله ومهبط جبريل
وعزّ الشيوخ اللي في صبح وعشيه
تحمي ضيوف الله وتوفي المكاييل
أعدل ملوك الأرض باليعربية صفوة بني وايل زحول الرجاجيل اختصّهم ربي لحكم الرعية مكة وطيبة في حماة الحلاحيل ربعي هل العوجا سباع البرية
افعولهم تسبق جميع الأقاويل. يجمع الشاعر في تجربته الشعرية بين الفصيح والعامي حيث يكتب في كلا النوعين، ولا يرى تضادا بين الفصحى والعامية، بل يعتبرهما بناء وتكاملا يغذي أحدهما الآخر بالمضامين والأدوات الفنية.