نموذج التكلف المفتعل: قصيدة الليث بن فار الغضنفري
هذه الأبيات المنسوبة إلى الليث بن غاز تمثل في التراث النقدي العربي أبرز مثال على الغرابة المذمومة. فمفرداتها مستحدثة لا جذر لها في العربية، كقوله: «مدركل بالشنصلين تجوقلت» و«عفص له بالفيلطوز العقصـل». التركيب لا يؤدي معنى واضحًا، ولا تنعقد منه صورة حسية، كما أن الإيقاع الموسيقي مكسور غير متماسك. حين نعرض هذا النص على معايير الفطرة نجده فاشلًا: فالطفل لا يجد فيه ما يستهويه بل يشعر بالارتباك، والغريب من ثقافة أخرى لا يخاطب لديه أي حس جمالي مشترك، والزمن لم يخلد هذه الأبيات بل جعلها حبيسة كتب النقد كمثال للتكلف، كما أنها تخلو من أي وظيفة بلاغية أو تعبيرية تذكر. لهذا اعتبرها النقاد القدامى كابن رشيق والآمدي من «الوحشي» المستنكر.
نموذج الغرابة الأصيلة: قصيدة امرئ القيس (أبيات التكرار)
في المقابل، نجد قصيدة امرئ القيس التي كرر فيها الحروف والكلمات بشكل مكثف: «فهي هي وهي ثم هي هي وهي وهي» و«ألا لا ألا إلا لآلاء لابثٍ» و«فلَو لَو ولَو لَو ثمَّ لَو لَو ولَو ولَو». هذا التكرار الغريب في شكله يأتي لخدمة أغراض بلاغية واضحة: التوكيد، والإلحاح العاطفي، وخلق إيقاع موسيقي يعبر عن حنين متدفق. النص منضبط ضمن نظام لغوي معروف، وكل تكرار له موقع ودلالة. حين نعرضه على معايير الفطرة نجده ناجحًا: الطفل ينتبه إلى اللعبة الصوتية وينجذب إليها، والغريب ولو لم يفهم العربية يحس بالعاطفة المتدفقة عبر الإيقاع، والزمن جعل هذه الأبيات من أيقونات الشعر العربي التي لا تزال حية، وهي تؤدي وظيفتها البلاغية بكفاءة عالية. لذلك قبلها النقاد القدامى كالأصمعي وابن قتيبة باعتبارها من الغريب المقبول الذي لم يخرج عن سنن الفصاحة.
ثانيًا: في العمارة
نموذج التكلف المفتعل: المباني القائمة على الغرابة السطحية
تقابل هذه القصيدة في العمارة مباني كثيرة ظهرت في العقود الأخيرة تضع الغرابة الشكلية غاية في ذاتها. نجد فيها تعقيدًا هيكليًا دون مبرر وظيفي أو بيئي، واستخدام مواد وتشكيلات صادمة لمجرد الصدمة، وغياب النظام الداخلي المتماسك الذي يربط بين الفراغ والوظيفة والسياق. حين نطبق عليها اختبارات الفطرة نجدها تفشل: الطفل الذي يدخلها يشعر بالارتباك أو الملل السريع لأنه لا يجد فراغًا مفهومًا أو جاذبًا، والزائر من ثقافة أخرى لا يخاطب لديه أي إحساس مشترك بالجمال بل يرى مجرد تلاعب شكلي فارغ، وهذه المباني سرعان ما تُنسى مع انقضاء موضة الغرابة أو تُنتقد بشدة، كما أنها غالبًا ما تعاني من خلل وظيفي كتعقيد الحركة أو سوء استغلال الطاقة أو عدم ملاءمة الاستعمال.
نموذج الغرابة الأصيلة: مبان بدت غريبة عند ظهورها لكنها صمدت في مقابل ذلك، نجد مباني بدت في زمنها غريبة عن المألوف المعماري، لكنها حملت في داخلها نظامًا داخليًا محكمًا ووظيفة مبتكرة وتجربة إنسانية عميقة، فصمدت أمام الزمن وتحولت إلى مراجع. من أبرزها كنيسة رونشام للمعماري لو كوربوزييه، التي بدت غريبة بشكلها العضوي وأسقفها المنحنية، لكنها تخاطب الفطرة من خلال معالجة استثنائية للضوء الطبيعي والصوتيات، والتدرج المكاني من الخارج إلى الداخل الذي يشعر به الزائر حتى دون معرفة السياق النظري. كذلك متحف غوغنهايم بلباو لفرانك جيري، الذي غرابته الشكلية الهائلة لم تمنعه من أن يخلق هوية قوية للمدينة، ويؤدي وظيفته كمتحف بكفاءة، ويجذب جماهير غفيرة لعقود. وحتى مسجد قرطبة في عصره كان غريبًا بصفوف الأقواس المتشابكة التي لم تكن مألوفة في العمارة السائدة آنذاك، لكنها بنيت على نظام داخلي من النسب والإيقاع الهندسي جعلها تخاطب الفطرة الإنسانية وتصمد أكثر من ألف عام.
ثالثًا: المقارنة بين الأدب والعمارة وفق المحكات الفطرية
عند تطبيق المحكات الفطرية الأربعة – وهي النظام الداخلي، الوظيفة، مخاطبة الفطرة (عبر اختبارات الطفل والغريب)، والصمود أمام الزمن – نجد الفرق واضحًا بين نماذج التكلف المفتعل ونماذج الغرابة الأصيلة في كلا المجالين.
أولاً: النظام الداخلي
في الأدب المتكلف، يكون النظام الداخلي غائبًا أو مشوهًا، كما في قصيدة الليث بن غاز حيث لا وزن واضح ولا بناء بلاغي متماسك. وفي العمارة المتكلفة، يغيب النظام الداخلي أيضًا، إذ نجد تعقيدًا شكليًا دون تنظيم فراغي أو إنشائي حقيقي. أما في الأدب الأصيل، فالنظام الداخلي موجود بقوة، كقصيدة امرئ القيس التي تقوم على وزن محكم وبلاغة منضبطة وبناء شعري متكامل. وفي العمارة الأصيلة، النظام الداخلي حاضر في تنظيم الفراغ والعلاقة مع الموقع ومعالجة الضوء والمواد.
ثانيًا: الوظيفة
في الأدب المتكلف، لا تؤدي القصيدة معنى ولا غرضًا بلاغيًا، فهي لا تنقل فكرة ولا تثير عاطفة. وفي العمارة المتكلفة، تعطل الوظيفة أو تهملها، فيصبح المبنى صعب الاستخدام أو غير ملائم لحاجاته. أما في الأدب الأصيل، فالقصيدة تؤدي وظيفتها البلاغية والتعبيرية بكفاءة، محققة أغراضًا كالتوكيد والإلحاح العاطفي والإيقاع الموسيقي. وفي العمارة الأصيلة، يؤدي المبنى وظيفته النفعية والإنسانية بأناقة، فيجمع بين الفائدة والجمال.
ثالثًا: مخاطبة الفطرة
في الأدب المتكلف، لا تخاطب القصيدة الطفل ولا الغريب، فلا يجد فيها الطفل ما يستهويه، ولا يخاطب الغريب لديه أي حس جمالي مشترك. وفي العمارة المتكلفة، يصدم المبنى المشاهد دون أن يخاطب فيه شيئًا، فيبقى مجرد صدمة شكلانية. أما في الأدب الأصيل، فتخاطب القصيدة الإحساس المشترك بالجمال، فينجذب الطفل إلى لعبتها الصوتية، ويحس الغريب بإيقاعها العاطفي. وفي العمارة الأصيلة، يخاطب المبنى الإحساس المشترك بالفراغ والانسجام، فيشعر به الطفل والزائر من أي ثقافة.
رابعًا: الصمود
في الأدب المتكلف، تموت القصيدة سريعًا ولا تخلد في الوجدان، ولا يبقى منها إلا أثرها في كتب النقد كمثال على التكلف. وفي العمارة المتكلفة، يموت المبنى مع الموضة أو يُهدم سريعًا. أما في الأدب الأصيل، فتخلد القصيدة وتصبح من أيقونات الشعر. وفي العمارة الأصيلة، يصمد المبنى كمرجع معماري يُحتذى به عبر الأجيال.
رابعًا: الخلاصة
الإبداع الحقيقي في الأدب والعمارة معًا لا يقاس بدرجة الغرابة أو التعقيد، بل بقدرة العمل على امتلاك نظام داخلي متماسك، وأداء وظيفته بإتقان، ومخاطبة الفطرة الإنسانية المشتركة، والصمود أمام الزمن. والغرابة المتكلفة هي تلك التي تقوم على ظن خاطئ بأن الخروج عن المألوف وحده كافٍ للإبداع، فتنحدر إلى شكلانية فارغة لا تصمد أمام الطفل، ولا الغريب، ولا الزمن، ولا معايير الوظيفة الحقيقية.
ما تكشفه المقارنة بين الأدب والعمارة أن المعايير الفطرية تعمل بشكل متماثل في كلا المجالين: العمل الأصيل – حتى لو كان غريبًا – يمتلك نظامًا داخليًا، ويؤدي وظيفته، ويخاطب الفطرة الإنسانية المشتركة، ويصمد أمام الزمن. أما العمل المتكلف فيخفق في هذه المحكات جميعًا، مهما بدا غريبًا أو معقدًا في الظاهر.
وهذا يقودنا إلى أن النقد الحقيقي – سواء كان أدبيًا أو معماريًا – هو ذلك الذي يضع الميزان في قدرة العمل على البقاء حيًا في الفطرة الإنسانية، لا في انتمائه المذهبي أو شكله السطحي أو درجة غرابته الظاهرية.
وهذا يعيدنا إلى قاعدتنا: ليس كل غريب إبداعًا، بل الإبداع هو الغريب الذي إذا عدت إلى فطرتك وجدته صادقًا.
بهذا التأصيل هو الذي يجعل من النقد الفطري أداة عملية، ويحول الناقد من أسير الأذواق المكتسبة إلى باحث عن الجمال حيث كان قادرًا على تمييز الإبداع الأصيل من التكلف المفتعل عبر معايير تتجاوز المذاهب والأزياء العابرة.