انطلقت الشرارة بعد «صفعة» من سيدةٍ محسوبةٍ على وزارة الداخلية في تونس على خد البوعزيزي «تاجر الخضار»، الذي لم يجد بُداً من استعادة كرامته إلا بإحراق نفسه.
شكلت الأوضاع في الشمال الإفريقي انتفاضة شعوبٍ ضد من يصفونهم بحكامٍ عاثوا بممتلكات دولهم فساداً. تدحرجت كرة النار من تونس إلى أن بلغت ليبيا القذافي. قتلوه بعد أن عثروا عليه مختبئا في «جُحرٍ» تحت الأرض، عقب أن أمضى عقودا يصف نفسه بـ«ملك ملوك إفريقيا».
لم يكتب القدر لكرة النار أن تقف عند قتل القذافي. وصلت شرارتها إلى مصر. كان الرئيس حينئذ حكيما، وهو ابن المؤسسة العسكرية المصرية العريقة. تعالى محمد حسني مبارك على نرجسية الضابط الطيار، وأعلن تنحيه.
العالم يراقب كرة النار تلك، إما أن تنطفئ، وأما أن تتدحرج. كانت التصورات أن تصل إلى سودان «السجين البشير» المحسوب على الإخوان المسلمين من وراء ستار، لكنها لم تصل.
آخر التوقعات أن تصل سورية، وهي الدولة التي حكمها حافظ الأسد المنقلب على سلفه بالحديد والنار، وفي رواية السوريين بـ«السباط العسكري». أي بـ«البسطار العسكري».
انتفض السوريون بعد أن استدعى محافظ درعا أولياء أمور بعض الأطفال ممن دونوا ببراءة، على جدران أحد المدارس «الشعب يريد إسقاط النظام».
قال لهم -أي المحافظ- مفردات خارجةً عن النص الأخلاقي، من يعرف طبيعة المجتمع السوري يعي أن «العرض» يسبق الوطن، وكل شيء.
هذا الشعار استقاه الأطفال من الإعلام. ردة فعل النظام السوري كانت، وكأن الأطفال «جنرالات» في أحد ألوية جيشه العتية، أرادوا الانقلاب على نظام الأسد الابن، الذي ورث الحكم بالصدفة، أو بـ«التزكية».
مر الوقت، خرج بشار الأسد في مجلس الشعب تارةً، ومن قصر الشعب تارةً أخرى. قال إنها مؤامرة، صفق له أعضاء مجلس الشعب، ويلٌ لمن لا يُصفق ويُردد «الله.. سورية.. بشار وبس». منحوا الرئيس دفعةً معنوية، رغماً عن أنوفهم. قال الأسد يوماً ما «سورية لا تهمها العنتريات. ولا البندريات»!. العنتريات مفهومة. البندريات أيضاً مفهومةً أكثر، هنا إشارةً إلى الأمير بندر بن سلطان الذي كان حين أشعل محافظ درعا الأزمة في سورية، رئيسا للاستخبارات السعودية. ألبسوا الأمير بندر ما يصفونه بـ«المؤامرة»، وتجاهلوا حينها ردة فعل المجتمع الدرعاوي على المحافظ، والتي تجاوز خلالها كل الأعراف الأخلاقية.
دخل حزب الله على خط الأزمة السورية، بصرف النظر عن كونها شأنا سوريّا داخليّا. قال الزعيم ذات ليلة من جحره جنوب لبنان «لو استدعى الأمر لذهبت بنفسي للدفاع عن سورية».
فهمت طهران حينها أن حديث السيد حسن بمثابة رسالة استغاثة، هرول «المقبور» قاسم سليماني إلى مرتزقة أفغانستان، جلب الآلاف منهم، لم تفد هذه الخطة. سلك بعدها مسلكا طائفيا وجلب مرتزقته في إطار الدفاع عن «المراقد» في سورية. لم تفد هذه الخطة أيضا. ما المعمول إذن؟ الزج بالحرس الثوري، لكن ذلك لا يكفي، لا بد من خلق «فزاعة» تُقلق العالم بأسره، «داعش» الحل، ترحيل ما كان يسمى حين ولادته «تنظيم الدولة الإسلامية» من العراق إلى سورية هو الحل.
الهدف الاستخباراتي الإيراني، كان خلق فزاعة تُجسد أن نظام بشار الأسد الأسلم والأصح، عوضاً عن انتشار تنظيمات تتصف بـ«الإرهاب»، الذي تخشاه الولايات المتحدة وحلفاؤها.
أدرك العالم بأسره ذات مرة، أن التخطيط الإيراني «الهُلامي» ليس إلا صدى لصوت يتردد في طهران، ويصفق له «جرذ الضاحية»، ويُردد كـ«الكورال» بشار الأسد في دمشق.
فهمت الإدارة الأمريكية الجديدة اللعبة، وضعت «بنك أهداف» ذات ليلة في واشنطن، النفَس الطويل مُفيد، كل الرؤوس يمكن أن تطالها الطائرات بدون طيار، لكن أولا من يخدم إيران؟ إنه البغدادي، اقضوا عليه، قال الرئيس لمستشاريه، انتهت المهمة. من التالي في بنك المعلومات، سليماني، لماذا؟، لأنه مخلب إيران وراسم سياسات الشر في المنطقة، والمهدد الأهم للقوة الأمريكية بالمنطقة، ليس كما البغدادي زعيم «داعش» المنفذ لتلك الخطط لا أكثر.
أعطى الرئيس الأمر: اقتلوه. قُضي الأمر وقتلوه دون اكتراث لـ«جعجعة» إيران. أبلغت إيران أنها ستقصف قواعد أمريكية في العراق مُسبقاً، مضحك هذا الأمر، من قُتل في القصف المزعوم جُلّهم من العراقيين، انتهى الأمر.
قُطعت أيديهم في العراق، وتدريجياً في سورية، الصياح في طهران، والضاحية في لبنان، على قدر الألم، وهرطقات حوثي اليمن لم تتجاوز محيطه، من التالي؟.. غدا سنرى.