طبعا، هناك الحبّ من وجهة نظر علم الاجتماع، وما يسمى الخريطة «الجنسانية» للفرد وأثر المجتمع في تشكيلها، وهناك الحب من وجهة نظر علم النفس وأثر الأنا الأعلى في أرجوحة «الليبيدو» بين الكازانوفي والأفلاطوني، وهناك الحب من وجهة نظر بيولوجية لنرى أثر الدوبامين عند بداية الحب، وما يستتبع ذلك عند البعض من إدمان لإفراز هذه المادة، عبر تعدد العلاقات كما لو كان إدمان نيكوتين، سيجارة وراء سيجارة.
الحبّ هل هو مبرر قوي للشعراء كي يواصلوا العطاء؟ الشعراء يملكون اللغة مثلهم مثل الفنان الذي يملك ريشته ليرسم، ووجود المرأة في حياة الشاعر «الحقيقي»، لا يتجاوز ما حكاه رسول حمزاتوف على لسان ابن القرية الذي أحب فتاة في قريته وعندما تجاهلته انطلقت قريحته الشعرية ليكتشف نفسه شاعرا، فبالغت في تجاهله أكثر فتألم ثم سافر بعيدا عن قريته، عاد بعد سنوات وقد أصبح شاعرا معروفا على مستوى وطنه، فالتقته المرأة لتذكّره بأنها صاحبة الفضل في خلق هذه الموهبة داخله، قال لها: «لقد أحبكِ قبلي، وبعدي كثير من شباب قريتنا حباً أشد من حبي لكِ، ولم يصبحوا شعراء، فالشعر كان بداخلي وكنتِ فقط سبباً لانطلاق الشرارة، وربما لو مات لي قريب في تلك الفترة لانطلقت أيضاً، ثم انصرف عنها».
لماذا الحب في حقيقته لعبة على «المخيال» الفردي، بين ذكر وأنثى، فالأنثى تراهن على خيالات يصنعها هرمون الدوبامين داخل عقل الرجل أكثر من رهانها على نفسها كامرأة ككل النساء، بينما الرجل يراهن على كل صفات «الفحولة» بشكلها الحداثي، فهو الذكر الذي يملك السيارة الأغلى أو المنصب الأقوى أو الشهادة الأعلى... إلخ من مواضعات تتقاطع مع الثدييات، وفق منطق معقلن يتقاطع مع القطيع الذي يفوز به الذكر، صاحب القرون الأطول والبنية الأقوى لتنافس بدائي بين تيوس الجبل البرية عند موسم التزاوج.
هل الحب غرائزي؟ الحب اخترعته المرأة كحيلة متطورة للإمساك بالذكر الفحل، ليرعى معها الأطفال «أطول فترة ممكنة»، ثم جاءت المعابد لتجعل هذا الحب في إطار مؤسسة أسمتها «الزواج»، فتم استغلال المؤسسة لأهداف أوسع من الحب، لنرى الحب وقد ضاع بين أرجل المصالح السياسية والاجتماعية والاقتصادية... إلخ.
هل الحب حرام؟ الحب حرم، وقد اقتحمه كل لسان معسول، من المهووسين بسادومازوخية تتعطش لإفراز الدوبامين، فالحب الصادق تجربة تقع في العمر مرة واحدة، والباقي تواطؤ بين طرفين لأداء أدوار ميلودرامية مكررة تكراراً مملاً، لدرجة تجعل امرأة عاقلة تسأل ميلودراميا لزجا: كم امرأة قبلي سمعت نصّك الممل هذا؟ أو العكس لرجل راشد يقول لميلودرامية دبقة: كم رجلا قبلي سمع نصّكِ الممل هذا؟، لكن التواطؤ هو الذي يأبى على الطرفين إفساد المسرحية، كما يتواطأ الجمهور مع ممثلي خشبة المسرح على الاندماج في التلقي، كشرط للاستمتاع بالنص المسرحي، بين ملهاة ومأساة.
الحب ليس أنيقا أو جميلا أو بغيضا أو أعمى، الحب ببساطة محاولة للقفز على الزمكان، لكنها قفزة ذهانية حالما تسمع في نهايتها طقطقة قدميك على أرض الواقع، بأنك مهترئ ومنهك ومليء بالخواء واللاجدوى.
الحب لعبة روليت روسية، إن وقعت في عنفوان المراهقة، ولعبة شطرنج معقدة إن وقعت في عنفوان الشباب، وبعد الأربعين لن تكون سوى لعبة مقطار أبو ثلاث حجرات، ولن تهتم كثيرا أن تكون الخاسر فيها، فالمهم أنك ما زلت تلعب، لتعيش ترف الحواس بعد أن تجاوزت نزقها.
الحب ليس مقدسا، المقدس هو الالتزام، ولهذا كانت مؤسسة الزواج أقصى ما استطاعه العقل البشري لضبط فوضى الحواس بين أرقى الثدييات «الإنسان».
لا يوجد حب ناضج، توجد «مشاعر ناضجة»، أما الحب في ذاته فليس نضجا، بل حريقٌ وثورة ودوبامين مرتفع، ونشوة لا تريد لها الانتهاء، وصولا إلى اضطراب الشخصية، فكيف يوصف كل هذا بالنضج؟!
الحب عنفوان الفتوة، وطراوة الشباب، ونداء الطبيعة، وقد أعلت الحضارة الإنسانية من شأن الحب بالقصائد والموسيقى والفن والسينما، ليتحول الحب من مجرد تطور دارويني إلى تطور حضاري يضيف حتى لغير العشاق أجواءً من البهجة والفرح، يلمسه ابن التسعين في الفنون، كما يلمسه ابن العشرين.
الحب الحقيقي معراج وجداني لمرة واحدة في طريق الرشد نحو الإنسان الحكيم، المرّة الثانية حيلة نفسية لرشدٍ مفقود عطشاً لفتوة لن تعود.
الحب ليس نبوة وليس كبوة، ليس شرفاً ولا خسة، الحب عند العرب سهم من سهام إبليس، بينما هو عند الرومان سهم من سهام كيوبيد، والفرق بين إبليس وكيوبيد كبير، فالأول مصدر كل الشرور، بينما الثاني مجرد طفل بريء يحمل سهما يصيب الآخرين بالجنون، ورمزية الطفل في شكل كيوبيد وسهمه الذي يرفع الملام بالجنون، يختلف عن رمزية الشر في شكل إبليس وسهمه الذي يستوجب اللوم.
الأحرار لا يعرفون الحب التقليدي، فالحب التقليدي حب تجسيدي، بينما الحب الحرّ حبٌّ تجريدي يسمو فوق كل الصفات الجسدية، ولهذا كان محمود درويش عظيما في قصيدته «الجميلات هن الجميلات» وشاعر بليغ عندما هرب للمجاز من حقيقة الحب، فطلب «مقتلاً نبيلاً» في الحب/الحرب!.
أخيرا، رسالة إلى الرجل والمرأة على حد سواء، خصوصاً شباب وشابات وسائل التواصل: هناك «أناقة راقية» وتلقائية تحترمها كل ثقافات العالم، وهناك «برنوغرافيا» لا يحترمها كل العالم، وبينهما أرض يتوهم البعض أنها بلا اسم وهي أرض «الإيروسية» التي فيها من بياض الأناقة الراقية ومن سواد البرنوغرافيا، لكنها بلون رمادي لا تستطيع نسبته لا إلى بياض ولا إلى سواد، ولكل امرئ ما نوى في هند أو سند.