أدرك المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها (وقاية) مبكراً أن المباني السكنية المشتركة للعمال، بما توفره من تجمعات للعمال، خصوصاً تلك التي تنتشر بالقرب من المدن الصناعية، يمكنها أن تكون مؤهلة للتحول إلى بؤر لتفشي الأمراض والأوبئة، وعلى الأخص فيروس كورونا الجديد الذي ينتقل عبر ملامسة الأشياء، وهو ما توفره بكثرة تلك الكثافة العددية للعمال القاطنين في مسكن واحد مشترك، يستخدمون الأدوات والمعدات نفسها دون عناية وحرص كبير على تجنب الظروف المهيأة لانتقال المرض والإصابة به.

ومع هذا الإدراك أصدر المركز «الدليل الإرشادي لمكافحة مرض كورونا الجديد في مساكن العمال» في مارس الماضي، مشتملاًَ على إجراءات لا بد من مراعاتها تجنباً لتفشي المرض، من أهمها تعقيم وتقوية أماكن السكن وتجنب الزحام فيها بحيث يكون متاحاً لكل عامل في غرفة مشاركة مساحة لا تقل عن 4 أمتار مربعة من مسطح أرضية الغرفة.

مخالفات

على الرغم من صدور الدليل، إلا أن جولة قامت بها «الوطن» بين المباني السكنية المشتركة للعمالة القريبة من المدينة الصناعية بجدة، لاحظت فيها عدم التقيد التام بما جاء في الدليل، وذلك بأخطاء مشتركة أولا من الشركات المشغلة التي تتغاضى عن التعليمات على الأخص فيما يتعلق بتقليل الكثافة العددية في الغرفة المشتركة حرصا منها على تجميع كافة العمال لديها في مبنى سكني واحد لسهولة وقلة تكلفة نقلهم من مقر سكنهم وإلى عملهم، فتزيد من عدد قاطني الغرفة الواحدة التي قد تكون مساحتها 16 مترا مربعا من 4 أشخاص إلى 5 أو 6، وثانيا من العمال أنفسهم الذين يتجاهلون تنظيف المطبخ المشترك الذي يستعملونه في كل طابق من طوابق مبناهم السكني، وكذلك الحمام الوحيد أو الحمامين المشتركين في كل طابق، وغرفة نوم مكتظة بالأشخاص، يتواجد فيها على الأقل 6 أشخاص في حين لا تتجاوز مساحتها الـ16 مترا مربعا.

رصد

كما رصدت «الوطن» خلال جولتها بعض المخالفات والسلبيات واللامبالاة التي يبديها العمال تجاه نظافة مكان السكن، وتعليقهم ملابسهم بصورة عشوائية في «أحواش» المباني، التي يحولونها أماكن للتجمعات اللامسؤولة، على الرغم من إدراكهم خطرها، بدليل أنهم تفرقوا وفروا من المكان بمجرد وصولنا إليه، لربما ظنوا أننا مسؤولين من جهة رسمية، ما قد يعرضهم لعقوبات، وتركوا خلفهم بسطة عشوائية صغيرة، وضعتها بعض العمالة المخالفة، تبيع عليها الخضروات والفواكه بعيداً عن أعين الرقابة.

رقابة

تنبهت الجهات المعنية إلى المخالفات والمخاطر التي تشكلها مخالفات العمال في أماكن السكن، وتشكلت لجنة رفيعة المستوى بقيادة وزارة الداخلية وعضوية وزارة الصحة ووزارة الموارد البشرية ووزارة التجارة ووزارة البلدية والشؤون القروية ووزارة الصناعة والثروة المعدنية، ينبثق منها لجان فرعية على مستوى المناطق والمحافظات لدراسة أوضاع إسكان العمال، وإصدار المعايير والاشتراطات اللازمة للمحافظة على سلامة العمال ووقايتهم من انتشار مرض كورونا في مقار سكنهم، وعمل الحملات التفتيشية اللازمة للتأكد من تطبيق تلك المعايير والاشتراطات، وتطبيق العقوبات النظامية بحق المخالفين.

وتم إصدار الأدلة الإجرائية من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزارة الصحة وتم تعميمها على جميع أصحاب العمل، إضافة إلى إصدار معايير التفتيش وتعميمها على المفتشين، وتم إجراء الحملات التفتيشية على عدد من المباني والمجمعات السكنية الخاصة بالعمال بمختلف مناطق ومحافظات المملكة.

خطورة

حذر عدد من الخبراء والأطباء من خطورة تجمع عدد كبير من الناس في مبنى سكني مشترك وداخل غرفة أو شقة جماعية واحدة، وذلك لأنها تعد بيئة خصبة لتفشي الأمراض والأوبئة، وسببا رئيسا لانتشار الأمراض المعدية بصورة واسعة.

كما حذروا من تفشي فيروس كورونا المتجدد داخل هذه المجمعات والمباني السكنية المشتركة، نتيجة المشاركة في استخدام الأدوات، بما فيها فرش النوم والأغطية، وحتى اختلاط الملابس ببعضها بعضا، ناهيك عن استخدام الحمام والمطبخ المشتركين.

تاريخ

بقيت التجمعات السكنية الكثيفة والعشوائية والتي لا تراعي المتطلبات الصحية، وظروف المعيشة الملائمة مكاناً ملائما لتفشي الأوبئة، وهذا ما أكدته كثير من الأوبئة التي اجتاحت العالم في أوقات كثيرة عبر التاريخ، حيث فتكت الأمراض بقاطني هذه الأماكن غير الملائمة لسرعة تفشيها وسطهم، ولعدم ملائمة سكنهم لمقاومتها حيث يفتقر للنظافة والرعاية والعناية. وساهمت الأوبئة والجوائح الصحية في كشف عدم المساواة الاجتماعية.

دروس مستفادة

عبر تاريخ الأوبئة قدمت دروس مهمة، استفادت منها البشرية، لعل من أهمها العزل وتوفير المكان الملائم والصحي للأفراد منعاً لتفشيها، ففي الطاعون الأنطوني: 165- 180 و250 للميلاد، تعرض العالم لوباء يشبه الجدري أو الحصبة، وقتل نحو 2000 شخص يوميا.. كان ذلك أول وباء يواجهه الناس لذلك كان أشد فتكاً إذ افتقرت الأجسام إلى الحصانة ضده. وفي عام 1347 ـ 1351 اجتاح الطاعون أوروبا، وقتل نحو 25 مليون شخص، أي ثلث سكان أوروبا، كما تلته أوبئة أخرى، وخلال تفشي المرض عام 1665، أرسلت جامعة كمبردج طلابها إلى المنزل، وكان ذلك إجراء لازما، ما يزال متبعا.

وفي جائحة الإنفلونزا الأولى عام 1580 التي ظهرت في آسيا وانتقلت عبر طرق التجارة إلى أوروبا وأميركا الشمالية، وقتل كثيرين، ظهرت إجراءات الحجر الصحي ونقاط التفتيش الحدودية في أوروبا.

جوائح أخرى

في القرن التاسع عشر ظهر الكوليرا نحو 6 مرات، وقد ابتدأ في منطقة خليج البنغال في الهند، وحصد أرواحا كثيرة، وأدت المعلومات الخاطئة، وعدم المساواة الاقتصادية، إلى تفاقمه، كما ظهرت معه موجة من نظريات المؤامرة التي قالت إنه انتشر لتقليص أعداد الفقراء.

أما أسوء الكوارث الوبائية، فكانت الإنفلونزا الإسبانية عام 1918، حيث قتلت ما يصل إلى ثلث سكان العالم (نحو 50 مليون شخص)، وكشف الوباء عن عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها عن طريق التباعد الاجتماعي.

وفي منتصف القرن الماضي (1957 و1968) ضربت العالم موجة من أوبئة الإنفلونزا، وذلك مع تزايد الكثافة السكانية، والانفتاح التجاري والسفر الجوي، وعلى الرغم من تطوير لقاحات الإنفلونزا في ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين، إلا أن جائحتين منفصلتين لإنفلونزا الطيور نشأتا في هونج كونج والبر الرئيس للصين تسببتا في مقتل أكثر من مليون شخص. وفي سبعينات القرن العشرين أصيب 75 مليون شخص بفيروس نقص المناعة (الإيدز)، وتوفي ما يصل إلى 32 مليون شخص.

أماكن تكثر فيها احتمالية التلامس

مقابض الأبواب

مساند المقاعد

طاولات الطعام

مفاتيح المصاعد

تعليمات الدليل الإرشادي لسكن العمال

الالتزام بتطهير الأسطح البيئية بشكل روتيني بمعقمات معتمدة

التهوية الطبيعية وتقليل درجة الحرارة في السكن بشكل عام والغرفة بشكل خاص

مصدر مياه النظافة أو الشرب يجب أن تكون صالحة للاستهلاك الآدمي

توفير عدد دورات مياه وأماكن استحمام كافية يتناسب مع عدد العاملين بالسكن

تعقيم الأسطح بشكل دوري خلال اليوم والحرص على تطهير طاولة الطعام

تطهير دورات المياه والحمامات مع التركيز على الأماكن التي يحتمل فيها تلامس

الابتعاد عن تكدس العمالة في الغرفة الواحدة بحيث يخصص للعامل الواحد 4 أمتار مربعة من غرفة النوم

تجهيز غرفة عزل صحي للعمال المشتبه بهم تتوفر فيها اشتراطات العزل الصحي

توفير مستلزمات النظافة مثل صابون الأيدي والمطهرات في دورات المياه والمغاسل

تزويد دورات المياه بمراوح الشفط وبمواد النظافة والمطهرات

الحرص على التهوية الجيدة في جميع غرف المستفيدين وأماكن التجمع

تزويد السكن بالأجهزة اللازمة لمتابعة وقياس جودة الهواء

التخلص من النفايات في المكان المخصص وعدم تركها في السكن

التأكد من توفر المطهرات

تستخدم التهوية الاصطناعية بالإضافة إلى التهوية الطبيعية

تجنب التجمعات عامة وخصوصا أوقات الوجبات

أوبئة اجتاحت العالم

الطاعون الأنطوني

165 - 180 و250

الموت الأسود (الطاعون)

1347-1351

الموت الأسود (الطاعون)

1347-1351

الإنفلونزا الإسبانية عام 1918

فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)

جائحة الإنفلونزا الأولى عام 1580

الكوليرا

6 مرات في القرن التاسع عشر

أوبئة الإنفلونزا في منتصف القرن

(1957 و1968)

فيروس كورونا الجديد (كوفيد 19) 2019