بعد تواصلي مع ادارة العلاقات العامة والإعلام بالمديرية العامة للدفاع المدني بخصوص الهاشتاق التويتري سلامتك_بمنزلك_غايتنا، دعما للحملة التوعوية الاعلامية التي يقيمها الدفاع المدني تحت هذا الشعار وتزامنا مع الظروف الراهنة تحت وطأة (جائحة الكورونا)، وبعد اطلاعي على المادة التي تم اعدادها لاثراء محتوى الحملة على وسائل الإعلام المختلفة، وجدت أن من قام عليها وقام بجمع معلوماتها قد وقف جيدا على مايدور في مجتمعنا من أخطاء قاتلة، وقفة الخبير الذي يعلم كيف نعيش تفصيليا داخل منازلنا، والذي يلخص أننا نرتكب جرائما يومية بحق أطفالنا وأسرنا ومجتمعنا بل وحتى أموالنا دون أن نعلم، ومما يزيد الطين بلة أننا نسمع بأذن (غير واعية) لتلك التوجيهات، ونرى كل يوم حملات شبيهة بها في كل زاوية تقع أعيننا عليها، وللأسف أننا نراها بإنسان أعيننا ولكن لسان حالنا يقول "يارجل الحافظ الله" ونسينا أو تناسينا أن الحافظ جلا في علاه قد قال في كتابه الكريم ((وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ)).

أما رأيي الشخصي فإن من يبقى متجاهلا لتلك التوعيات والتوجيهات والمحاذير، ومعتقدا أنه في كوكب آخر، مغلق عليه بإحكام في وجه كل خطر، فإنه بحاجة لأن يقع في الموقف الذي وقعت فيه حينما زرت أحد اقربائي في مقر عمله بمركز الدفاع المدني بحي الملز في مدينة الرياض، وكانت زيارتي له لأنني قادما من خارج المدينة وسأغادرها في نفس ذلك اليوم، فقلت في نفسي "بالمرة كلنا فاضين وخلينا نشوف بعض".

وبعد أن تم استقبالي هناك، تفاجأت بأن دماغي "هو الفاضي" عن الجهود التي يقوم بها أبطال الدفاع المدني تجاه كل خطر محدق وفي كل شبر من أشبار المملكة العربية السعودية، إذ كان قريبي هذا يمد لي بيمينه فنجالا من القهوة ويمسك بيساره جهازا لمتابعة الوقائع التي يخوضها زملائه في أحياء محددة من مدينة الرياض، (وليس الرياض كلها او المملكة بأسرها)، ومع كل "رنة" لهذا الجهاز ينقبض قلبي، حتى يفسر لي ماقاله له زملائه عن طريق هذا الجهاز، لأن كلماتهم مختصرة ولكل حادثة رمز مخصص لها.


فكان يطمئن زملائه المتواجدين بالمركز بأن زملائهم المتواجدين بموقع حريق المستودعات على طريق الخرج، انهوا اخماد ذلك الحريق بعد قرابة الثلاثة أيام من العمل المتواصل، (أي أن الاغلبية منهم يسلم ويستلم في موقع الحريق مباشرة)، ويقضي جميع ساعات عمله في مواجهة الموت ويخرج من بين أطفاله وأسرته وهو يعلم أنها قد تنتهي أيام حياته إما حرقا أوغرقا أو صعقا او..... او ..... من الحوادث التي تجعل الرأس يشتعل شيبا.

وبالحديث مع قريبي هذا وزملائه عن (الشيب) الذي يغطي رؤوسهم رغم أن بعضهم لازال في اواخر العشرينات او بداية الثلاثينات من عمره، فأجابني أحدهم قائلا أنه زار طبيبا ذات يوم وسأله عن سبب تلك الشيبات، فأجابه الطبيب قائلا، قد يكون هناك ماتخشاه كل يوم ويزداد خوفك منه يوما بعد يوم، وهذا يجعل الشيب برأسك بسبب عوامل نفسية وليست عوامل وراثية او مرضية.

واكمل قائلا لقد صدق الطبيب، فهناك ما نخشاه كل يوم حتى أننا ننام في بيوتنا ويزورنا شبح صرصرته حتى في المنام، إنه جرس الاستدعاء المعلق في كل مركز، فما إن يهدأ لأحدنا خافقا من رؤيته لحالة طفل بتر الاهمال اطرافه، او اصابه بحروق سترافقه مادام حيا، أو ...... أو ..... ، خصوصا لو قرع ذلك الجرس وسمع أحدنا أن الواقعة التي نستدعى لها وقعت في الحي الذي يسكن فيه، فستلازمه برودة الأطراف ونبضات القلب المتسارعة حتى ينهي تلك الواقعة، لأنه يشعر وكأن ذلك بيته او طفله أو أسرته التي تعرضت لهذه الواقعة.

وانتهت زيارتي لأولئك، ومنذ ذلك الحين وأنا استمع وادقق واتمحص كل تحذير يأتيني من الدفاع المدني، لأنني علمت ماخلف كواليس "الرماق الأحمر والسيارات الفسفورية" من رجال تركوا لذة العيش في بيوتهم وحملوا أرواحهم على كفوفهم ليقولون لنا بكل صدق وتضحية (سلامتك_بمنزلك_غايتنا).