بحسب أحدث إصدار من مؤشر المدن الذكية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، جاءت الرياض ضمن أفضل 30 مدينة عالميًا، حيث حصلت على المرتبة 24، في وقت تتصدر فيه مدن زيورخ وأوسلو وجنيف المراتب الأولى.

هذا الترتيب لا يطرح سؤال الرقم بقدر ما يطرح سؤال المعايير: ماذا تقيس هذه المؤشرات أصلًا؟، مؤشر المدن الذكية من أبرز المؤشرات الدولية التي تقيس قدرة المدن على توظيف التقنية لتحسين جودة الحياة، ولا يقف عند حدود التحول الرقمي، بل يركز على أثره الفعلي في الإنسان، فالتقييم لا يُبنى على عدد التطبيقات أو حجم المشروعات، بل على تجربة السكان اليومية، ومدى انعكاس هذه الحلول على راحتهم وسهولة حياتهم.

وترتكز منهجية المؤشر على قياس تصورات السكان من خلال استبيانات ميدانية، إلى جانب تحليل أداء المدن عبر محورين رئيسيين: البنية التحتية، وتشمل جودة الطرق والخدمات الصحية والمساحات العامة، والتكنولوجيا، التي تقيس مستوى تبني الحلول الرقمية والخدمات الذكية، بما في ذلك التطبيقات والمنصات الإلكترونية وشبكات الاتصال.


في هذا الإطار، تتقدم الرياض كمدينة قطعت شوطًا واضحًا في التحول الذكي، الخدمات الحكومية الرقمية شهدت تطورًا كبيرًا، والبنية التقنية تنمو بوتيرة سريعة، والمشروعات الكبرى تعكس توجهًا جادًا نحو المستقبل، هذه عناصر قوة حقيقية تضع المدينة ضمن مصاف المدن المتقدمة.

لكن الفارق مع المدن المتصدرة لا يتشكل عند مستوى التقنية، بل مستوى التجربة اليومية، في زيورخ، لا يشعر الإنسان بوجود «مدينة ذكية»؛ لأنه يعيشها ببساطة؛ الخدمات تعمل دون تعقيد، والإجراءات مختصرة، والتنقل جزء طبيعي من الحياة، التقنية هناك تعمل بسلاسة دون أن تفرض حضورها على المستخدم، وتظهر نتيجتها في حياة أكثر سلاسة.

أما في الرياض، فالتحدي ليس في توافر الخدمة بقدر ما يكون في سهولة استخدامها، هل كل خدمة رقمية تعني تجربة أفضل؟ هل اختصرت الإجراءات فعلًا، أم أعادت تقديمها بصيغة مختلفة؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع الفارق في التقييم.

التنقل يمثل عنصرًا آخر حاسمًا، المدن المتقدمة في المؤشر تعتمد على أنظمة نقل عام فعالة ومتكاملة، تقلل الاعتماد على المركبات الخاصة، وتمنح المدينة إيقاعًا أكثر انسيابية، في الرياض، التحسن واضح، والمشروعات تتقدم، لكن التجربة لا تزال في طور الاكتمال مقارنة بمدن سبقت في هذا المجال.

كما أن الاستدامة أصبحت معيارًا رئيسًا في تصنيف المدن الذكية، لم تعد المسألة مرتبطة بالخدمات فقط، بل بكيفية إدارة المدينة لمواردها، وتقليل أثرها البيئي، وتحسين جودة الهواء والمساحات العامة، هذه العناصر تمثل جزءًا أساسيًا من مفهوم «الذكاء» في المدن الحديثة.

العنصر الأهم في كل ذلك هو رأي السكان، المؤشر يعتمد بشكل كبير على ما يقوله الناس عن مدينتهم: هل يشعرون بالراحة؟ هل يرون تحسنًا في جودة حياتهم؟ هذا البعد الإنساني هو ما يفسر تقدم مدن على غيرها، حتى وإن تقاربت في الإمكانات التقنية.

الرياض اليوم في موقع متقدم، وهذا بحد ذاته إنجاز، لكن المرحلة القادمة لا تتعلق بإضافة المزيد من الحلول، بل بتحسين أثرها في حياة الناس.. الفارق بين الرياض وزيورخ لا يُقاس بحجم المشروعات، بل بمدى بساطة الحياة داخل المدينة.

في النهاية، المدن الذكية لا تُعرف بكمية التقنية التي تحتويها، بل بقدرتها على أن تجعل هذه التقنية غير مرئية، وتمنح الإنسان حياة أكثر سلاسة ووضوحًا، هذا هو المعيار الذي تصعد به المدن.. وتبقى.