تطرقنا في المقال السابق إلى الشاهدين في عقد النكاح، وعن مدى الحاجة إليهما، وانتهينا إلى عدم ظهور الحاجة المُلحّة إلى الشاهدين في عقد الزواج، في ظل تطور أساليب التعاقد حتى وصلنا -حديثا- إلى العقود الإلكترونية الموثّقة.

ورغم وجاهة الرأي القائل بعدم الحاجة إلى الشهود في عقود النكاح، إذا ما أخذنا في الاعتبار القاعدة الفقهية التي تقرر دوران الحكم حول علته، وجودا وعدما، إلا أنه يوجد رأي مقابل ومعارض له، مفاده ضرورة وجود الشاهدين في عقود النكاح، مستدلا بحديث نبوي صريح في هذه المسألة: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل».

وانتقالا من الزواج إلى الطلاق، فمن المعلوم أن الممارسة المتبعة في وقائع الطلاق، هو اعتبارها من القضايا الإنهائية «أي القضايا ذات الطرف الواحد، إذ لا يوجد فيها خصم مقابل. بخلاف القضايا الأخرى الدارجة والتي يكون فيها طرفان»، وملخص معظم ممارسات الطلاق هو قيام الزوج برفع دعوى إنهائية -يُثبت خلالها- حصول الطلاق، وبعد قيام القاضي بالتحقق من ذلك يقوم -على إثره- بإخراج صك الطلاق.


يظهر مما تقدم، أنه لا يُشترط لصحة الطلاق الإشهاد عليه، رغم تناول القرآن الكريم هذا الشرط صراحةً وعلى إطلاقه في سورة الطلاق، قال الله: «فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَیۡ عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِۚ...».

على أن هذا الإشهاد لا يحصل بشكل رسمي وأمام المحكمة إلا حال التنازع على حقيقة الطلاق، كذلك الحال في الرجعة، فقد يراجع الزوج زوجته مرة واثنتين وثلاث، دون إشهاد رسمي أو غير رسمي.

لعل وزارة العدل تأولت عدم الحاجة إلى الشهود في واقعتي الطلاق والرجعة، رغم وجود النص القرآني لهما، ورغم أهمية الإشهاد على تلك الوقائع، تجنباً لإنكار الرجعة أو إنكار النسب والحمل، وذلك حين استعاضت عن الشهود بصكوك رسمية تصدر عن القاضي المختص في محكمة الأحوال الشخصية، ولا يتم طلب الشهود -حال وجودهم- إلا عند وجود نزاع على حقيقة الطلاق أو الرجعة، دون إعادة النظر في الحاجة إلى الشهود عند الزواج، رغم وجود ما يستعاض به عنهم.

الخلاصة، أنه إذا كان لا يلزم الشهود في وقائع الطلاق والرجعة رغم النص القرآني المتقدم ذكره، فكيف يلزم وجود شاهدي عقد النكاح استدلالا بحديث تكلم في صحته كثير من المختصين في علم الحديث وبعض الفقهاء.