يظل أبو ميزان مستاء طيلة المساء تغشاه نوبة من الاشمئزاز والغثيان في كل مرة يطالع فيها بعض المشاركات الجوفاء الخاوية في بعض (القروبات)..

يستفزه هذا الغلو والإفراط والإغراق في (القبائلية).

كل المحاسن والمحامد والمآثر والفضائل حازت عليها القبيلة ذاتها دون غيرها، في كل يوم يبهتون التاريخ بأسطورة باذخة منسوجة من الإفك والافتراء لا يقرها ولا يقبلها عقل أبو ميزان ولا تطمئن إليها نفسه، يشعرنا هذا الهدير وهذه الجعجعة أن علينا النظر من جديد في عتاد القبيلة وإمكاناتها وتحالفاتها!.

طبع أبو ميزان وجبلته لا تميل إلى الإغراق في القبيلة والاصطفاف والتمترس خلفها، ويعد ذلك انغلاقا وتقهقرا وانكفاء ونكوصا، بل يعد القبيلة خطرا يهدد الوحدة الوطنية، ويرى أن زمن القبيلة قد ولى إلى غير رجعة، وحل مكانه المجتمع المدني الذي أسس له القائد المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي آخى بين أفراد المجتمع المسلم ونبذ كل ما يدعو إلى التفرقة والتصدع بأي معنى كان.

وبالملاحظة استنتج أبو ميزان أن كل الذين يعزفون على وتر القبيلة صباح مساء من شتى أجزاء الوطن يتشابهون في الفكر والوعي والفهم والإدراك والسيماء، وحين أعيته الحيل أخذ ينتخب وينتقي بعض الكتب، وبعض الكتابات الجادة التي تبحث في خطر الانتماءات القبلية ويبعثها إلى تلك القروبات علها تحد من هذا الانجراف والإسراف، فيخنس القوم يوما أو بعض يوم ثم يعودون.

يرى أبو ميزان أن الدولة في بداية التأسيس جمعت هذا الشتات المتنافر في نسيج واحد مترابط متين تحت راية الإسلام الخالدة وطوت صفحة الثأرات والنعرات والعداء والتفاخر بالسلب والنهب، ولعل فكرة إنشاء الجامعات والمعاهد في مدينة واحدة (الرياض) لحكمة وغاية نبيلة لينصهر أبناء المجتمع من كافة أجزاء الوطن وينشأ جيل حضاري جديد مترابط، ويدع كل العنتريات خلفه، وقد لمسنا هذا ووجدناه واقعا إيجابيا، فما أجمل أن يكون لك زميل من أقصى الشمال وآخر من أقصى الجنوب ومن شرق البلاد وقلبها وغربها، هذا النسيج الفريد وحد المجتمع وألغى كثيرا من الحواجز التي كرستها القبائلية على مدى عقود مضت.

ويذكر أبو ميزان أن أحد أصدقائه الخُلّص بينما هو ينادمه حضر اسم القبيلة في حديث عابر فغلبته العاطفة وانحاز بلا وعي إلى (غزيّة) وقاطعه دهرا..

وأردف يقول وهو يضحك ساخرا: لا أنسى صديقي أبو لوزة صاحب مكتب العقار وقد أوصيته مرات أن يبيعني قطعة أرض واحدة في المخطط الذي كان يسّوقه، وفي كل مرة يعدني ويمنيني، وأخيرا تبين لي أن جُل أراضي المخطط ذهبت حصرا لأفراد قبيلته، لم يكن أبو لوزة ذاك حالة شاردة، بل هي ثقافة مستقرة تنتجها القبيلة وتبثها في وعي أفرادها، لذا من الفطنة والحكمة ألا يتولى مثل هؤلاء مسؤوليات في الدولة وإن صغُرت، لأنهم لم يتحرروا بعد من سلطة القبيلة.

كل الدلائل والممارسات في الواقع تشير بوضوح إلى خطورة هذه الثقافة النمطية وتأثيرها السلبي على وحدة المجتمع وتماسكه.