يرى بعض النقّاد أنه لا بد من نقد الأفكار ولو على حساب إثارة بلبلة اجتماعية، أو بعبارة أخرى: لا بد من تفعيل النقد وصدم المجتمع، وغيرها من العبارات المشابهة.

بداية، لا أحد يلغي مسألة النقد، فبه تتقدم المجتمعات، وتُصان الأفكار، إلا أن الخلاف يقع في ثلاثة عناصر، وهي: الأسلوب والزمان والمكان.

وهذه العناصر من المسائل العقلانية والعُرفية في آنٍ واحد، فلا أحد يختلف على ما للأسلوب ولغته من دور في مدى تقبل المسألة محل النقد اجتماعياً وثقافياً، فبغياب اللغة المناسبة يفقد النقد قيمته، ويتحوّل إلى عنوان آخر، فحري بأن يأخذ الأسلوب لغة راقية، مهما بلغت مكانة الفكرة وأهميتها، قال تعالى: (ولو كنتَ فظاً غليظ القلبِ لانفضوا من حولك)، وقال تعالى (فقولا له قولاً ليّنا لعله يتذكر أو يخشى) فهي مسألة مزيج بين الموعظة والنقد، أما المؤمنون بالنقد الصادم أو بصدم المجتمع عن طريق النقد دون مراعاة النتائج، فهذا لا يتناسب مع من يحمل بين جنباته مشروعاً نقدياً.

أما من حيث الزمان والمكان، فهما من الوضوح بمكان، فليس من اللائق أن تُقدِّمَ لوماً لغريقٍ قبل أن تنقذه، فيجب مراعاة ذلك، وإذا ما تم إنقاذ هذا الغريق، بإمكانك توجيه العتاب والنقد مساهمة في توعيته.

ويبقى النقدُ حالة صحية إذا ما روعيت فيه بعض العناصر المهمة كالتي ذكرنا، وغيرها.

وفي هذا الصدد، يجب عدم إغفال أدوات النقد، بمعية المسائل التي ذكرتُ آنفاً، فلا يصحُ للناقد أن يمارس نقده في كلِّ شيء وهو لا يمتلك معرفةً في المجال محل النقد، ذلك أن أدوات النقد بمعيّة الإلمام بالمادة محل النقد لا بد منهما، لتكون مسألة النقد شمولية، وبدون ذلك لا يمكن أن يُسمّى نقداً إذا افتقد الناقد العلم بالمسألة.

أما من حيث الغاية، فيجب أن تكون واضحة المعالم، فحريٌ على من يمارس النقد أن يستعد لوضع البدائل المناسبة، فإن ذلك يحقق له التوغل أكثر في المسألة محل النقد، والنظر في حيثياتها وأبعادها المختلفة، ويساهم من خلال ذلك في ترقية المجتمع، ذلك أن النقد بهذه الصورة يكون إيجابيا، وأن الناس ليسوا على مستوى واحدٍ من النشاط الذهني والتقبّل، ولذا نجد لدى الشركات العالمية عدة مستشارين ونُقّاد، وهذا ما يحقق لها النجاح لتواجد الأدوات اللازمة للنقد، وأنهم على استعداد لسد الثغرات ومعالجتها عند حدوث طارئ، وهذا ما يفتقده من وظيفته النقد فقط.