دعونا نتفق أولا أن (معلمي الوطن) ستطلق على كل من مارس أو يمارس مهنة التدريس حاليا ويعمل في مجال التعليم، سواء أكان معلما أو قائدا أو مشرفا تربويا رجلا كان أو امرأة، ودعونا كذلك نتحدث عن فترة التعليم الحالية التي اعتمدت بشكل كلي على التعليم عن بعد كحالة استثنائية على مستوى العالم.

ومن هذين المنطلقين سأطلب منك عزيزي القارئ أن تستجلب صورا إيجابية ومبادرات قرأت أو سمعت عنها أو رأيتها بنفسك، سطرها معلمون رائعون إعلانا منهم عن حب الوطن وخدمة العلم وتأدية الواجب الوظيفي، بل قد نقول أكثر من ذلك عندما يكون بعض من تلك الصور خارجا عن توقعات المجتمع وأولياء الأمور بالذات.

ومن هذا ما وجدناه من صور معبرة لبعض المعلمين من وصولهم إلى الطلاب في أماكن نائية ووعرة، وعطاء بعض المعلمين وهم على الأسرة البيضاء في المستشفيات، ووصول بعض قادة المدارس إلى الطلاب الذين لا تتوافر لديهم إمكانية الحصول على أرقام حساباتهم على منصات التعليم المختلفة، سواء أكان ذلك لضعف شبكة الإنترنت أو قلة الدراية أو عدمها، وكذلك ما قام به عدد من المعلمين من تسجيل مقاطع تشرح العمل على المنصات التقنية وتوضح الآليات الأسهل للتسجيل والتواصل مع الطلاب، ولا ننسى بعض المدارس التي فتحت أبوابها على مدار اليوم وفي إجازة الأسبوع لاستقبال أولياء الأمور وتقديم الدعم الفني والتعليمي لهم، ومن ذلك تقديم مقترحات ومبادرات نوعية تسهم في تسهيل وصول المعلومة وتأكيدها والحرص على تعظيم الفائدة وتعميمها، وهذا كله يأتي لاستثمار الجهود الكبيرة التي قدمتها وزارة التعليم لضمان استمرار العملية التعليمية بأعلى كفاءة ممكنة، وكذلك ما وفرته من بنية تقنية للمنصات الإلكترونية التي تمثلت في منصة مدرستي والخيارات البديلة الأخرى.

قد يأتي هنا من يقول إن هذه أعمال مطلوبة من المعلمين في هذا الوقت وإن ذلك واجب وطني تحتمه المسؤولية وتدعمه التوجهات، وقد يأتي من يقلل من تلك الأعمال ويصفها بالبسيطة والعادية ويحيلها إلى المهمات والواجبات الوظيفية.

ولكن الحقيقة تقول: إن ما دعا كل أولئك المعلمين للقيام بتلك الأعمال تجاوز حدود المسؤولية ووصل إلى بناء مسؤوليات جديدة لتحقيق مستهدفات التعليم وإعداد جيل المستقبل مهما كانت الظروف والتحديات، وإن ما قاد أولئك المعلمين ما هو إلا إيمان بالأدوار العظيمة التي يؤديها التعليم في تغيير حياة المجتمع وتنوير أبنائه وتبصيرهم وتزويدهم بالعلوم والمعارف والمهارات اللازمة لرحلة تعلم منتجة ومفيدة.

وبقي أن أقول: إنّ تقدير تلك الأعمال ودعمها سيكون له دور في استمرارها وتنوعها، وإن الوعي الذي نلحظه لدى المجتمع بدور المعلم وأهميته في حياة الطلاب سيكون واحدا من أهم أسباب تأكيد مكانة المعلم، ودوره الرئيس في تنمية المجتمعات والنهوض بها، وإن ما يقوم به معلمو الوطن اليوم مهما كان ما هو إلا جزء من رد الجميل لهذا الوطن المعطاء، الذي وضع المواطن أولا وجعل التعليم منارا للمعرفة، ومرتكزا للتنمية، ورهانا للتنافسية لا يمكن الحياد عنه.