في مقالة سابقة كتبت عن (نظريات الفساد)، واستشهدت بمقولة ابن خلدون الشهيرة في ربط الفساد بانهيار المجتمعات والحضارات، عندما قال (إن انتشار الفساد يهوي ويدفع بعامة الشعب إلى مهاوي الفقر والعجز عن تأمين مقتضيات العيش وهو بداية شرخ يؤدي إلى انهيار الحضارات والأمم. استشراء الفساد والعجز في محاربته والتصدي له هو الآفة التي تنخر المجتمعات، وتتسبب في انتشار الجهل والفقر والتخلف). ويرى ابن خلدون أن وجود بعض المسؤولين قد يكون منبعا للفساد، لا سيما عندما يسخرون صلاحياتهم وقراراتهم، ويطوعون القوانين ويلوون أعناق الأنظمة، لتحقيق مصالحهم والحصول على مآربهم. ويؤكد ابن خلدون في نظريته الشهيرة، أن تفشي الفساد يدفع بالمنتجين والمستثمرين إلى التذمر والضيق والهرب، لأنهم يرون قسما كبيرا من جهدهم ينهب، أو يؤخذ منهم دون وجه حق. ويختم ابن خلدون نظريته بأن المجتمعات لا يصيبها الترهل إلا عندما ينخرها الفساد.

الفائدة التي نستخلصها من هذه النظرية الشهيرة، أن محاربة الفساد محاربة جدية هي السبيل الوحيد لإنقاذ المجتمعات. كما أن إطلاق الشعارات الفضفاضة لمحاربة الفساد ليس كافيا للقضاء عليه، بل قد يطيل من عمره، ولا نبالغ عندما نقول إن ما نراه من بعض الفساد سببه الرئيس عدم شعور الفرد بالواجب.

اليوم نشهد حملة شرسة وحقيقية لتجفيف منابع الفساد والقضاء عليه، يدعمها ويباركها الملك وولي العهد، وينفذها رجال الرقابة ومكافحة الفساد، ويشارك فيها المواطنون المخلصون من مواقع عملهم، كواجب يمليه عليهم دينهم وولاؤهم لوطنهم.

وأجمل ما في القرارات الأخيرة أنها بدأت بإيقاف أحد منسوبي هيئة الرقابة ومكافحة الفساد في تطبيق عملي للمقولة الشهيرة (لن ينجو أحد).

الفساد الذي يفتك بالمجتمعات لا يقل ضررا عن الآفات الأخرى، التي تنتشر في المجتمعات المتأخرة، كالإرهاب والتطرف والمخدرات والطائفية، بل قد لا نبالغ أن نقول إن الفساد هو ما يفرخ هذه الآفات، التي تدمر المؤسسات والقانون، وتهدم القيم والمبادئ، وتخلف مجتمعا تسيطر عليه الخرافات والأحزاب النفعية، وتغيب فيه العدالة والمساواة.

الفساد هو أحد أبرز المآسي التي توارثها التاريخ، وذكر الفساد في آيات عديدة من القرآن الكريم، كانت تؤكد أن الإله العادل الرحمن الرحيم لا يحب الفساد والمفسدين، ويدعو إلى محاربتهم والقضاء عليهم.

أسباب نخر الفساد للأمم وتفشيه في تلك المجتمعات كثيرة، من أهمها غياب القيم ومعايير النزاهة، وضعف المجتمع في مواجهة هذه الظاهرة والسكوت عليها. كذلك قصور إمكانيات الأجهزة الرقابية في تتبع ومعاقبة المفسدين، سبب آخر، ويصبح هذا السبب أكبر تأثيرا عندما نجده يعاقب فئة دون أخرى (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد )، ولعل هذا التشريع النبوي العظيم كان هو الإلهام للمقولة الشهيرة التي سهلت الحرب على الفساد (لن ينجو أحد وزيرا كان أم أميرا).

حضور المواطنة الحقيقية مع صحوة الضمير الإنساني، وقوة الإعلام في إبراز حالات الفساد والتستر عليه، وتأكد الجهات الإدارية من تكليف الأشخاص حسب التأهيل والكفاءة، والعمل ببرامج الحوكمة الإلكترونية، عوامل تسبق دور الجهات الرقابية في محاربة الفساد والمفسدين.