قد لا يُدرك البعض أهمية ودور القيم في حياتنا الشخصية.. إنها تحدد اتجاهاتنا، وتتحكم في سلوكنا، وقد تكون السبب الأول في أي صراع داخلي قد نُعاني منه.

فعندما يقوم الفرد بسلوك يتناقض مع ترتيب أولويات القيم في داخله، فإنه سيشعر بالإحباط، وسيُصاب بالارتباك المتصاعد مع تكرار ذلك السلوك.

لكل شخص منا ترتيب معين لأولويات القيم التي تحدد له ما هو صحيح، وما هو خاطئ في ممارسات الحياة المختلفة.

ما هو العمل الذي يراه من الداخل عملاً خيراً، وما هو العمل الذي يراه شراً، وعليه فإن الشخص يقدم بشعور حيوي وإيجابي تجاه الممارسات والسلوكيات التي تتفق مع ترتيب أولويات القيم لديه؛ بينما يشعر بالضيق إذا ما أقدم على فعل يتنافى مع قيمه.

وقد يُقدم الشخص على تفضيل قيمه على قيمة أخرى فإذا كانت قيمة الصداقة - على سبيل المثال - مقدمة على قيمة الصدق فإن الفرد في هذه الحالة قد يضحي بقيمة الصدق ويكذب من أجل المحافظة على علاقة الصداقة باعتبار أنها القيمة الأعلى لديه.

من هذا المنطلق فإن منظومة السلوك التي يود الإنسان اتباعها أو التقيد بها، يفترض أن تبدأ أولاً بتحديد الأولويات لمنظومة القيم، وما لم يحدد الشخص أولويات القيم لديه فإنه على الأرجح سيكون عُرضة للصراع الداخلي وللسلوكيات المتناقضة وغير المفهومة.

فلو افترضنا أن قيمة الإنجاز هي القيمة العليا لدى شخص ما في ظل أنه يعيش حالة من الكسل وضعف الإنجاز، فمن المرجح أن ذلك سينعكس عليه بمزيد من الإحباط والضيق، وكذلك لو أن شخصاً تمثل له الأسرة والمسؤولية الأبوية أعلى القيم الشخصية بالنسبة له، بينما هو يقضي معظم وقته بين العمل وبين الأصدقاء.

ذلك التناقض الذي يعيشه كفيل بأن يجعله غير مرتاح البال وغير راضٍ عن نفسه، ويكون حجر الأساس للصراعات الداخلية ومنشأ للأزمات النفسية، ومع ذلك فليس كل الناس على دراية بتأثير القيم في حياتنا وقلة أولئك الذين يدركون قيمهم ويرتبونها بحسب أهميتها بالنسبة لهم.

إن لدى الناس قيماً قد تجعلهم يهجرون علاقة معينة إذا تم خرق هذه القيم على سبيل المثال إذا كان الدعم والاهتمام في أعلى قائمة القيم عند شخص ما وشعر أن الطرف الآخر لا يدعمه ولا يهتم به فقد يُنهي هذه العلاقة.

أما الشخص الذي يضع الدعم في المرتبة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة. ويضع الحب في المرتبة الأولى فلن يترك علاقة الحب مهما كان الأمر طالما أنه يشعر بأن الطرف الآخر يحبه. إن كل فرد بحاجة لفهم تسلسل القيم في حياته، وأيها أهم لإشباع حاجاته المشروعة.

وكذلك معرفة المصدر الذي شكل له هذه القيمة. وبتنوع مصادر القيم يتنوع مدى اهتمامنا واستجابتنا لها. وكل ما يحتاجه الفرد ليرتب أولويات القيم لديه هو عمل جلسات ذاتية يتوفر فيها الهدوء والبيئة الجيدة للتعمق داخل النفس وطرح الأسئلة التالية: أيها أهم عندك النجاح في العمل أم النجاح في الحياة الأسرية؟ السلام أم الحرية؟ الإنجاز أم الاستقرار؟ التحدي أم العلاقات الجيدة؟ وغيرها من الأمور التي لها قيمة عالية لديك وتكون مجمل نظرتنا للحياة.

والقائمة في هذا الصدد لا تنتهي، بل من الممكن تقسيم أولويات القيم فيما يخص عملك من جهة، وفيما يخص حياتك الشخصية من جهة، وفيما يخص علاقاتك من جهة.

وتذكَّر لا يوجد إنسان يعيش بلا قيم. حتى رجال العصابات هناك منظومة قيم توجه سلوكهم ويعلون من شأنها في حياتهم كالشجاعة والولاء للمنظمة والوفاء للأصدقاء وعدم الوشاية بهم. عند وضع سلسلة أولويات القيم تصبح الحياة أكثر وضوحاً للشخص.

سيعي حينها أي الأفعال ستشعره براحة الضمير وتحفزه للسلوك الأفضل، وأي الأفعال ستكون معاكسة لتياره الداخلي.

سيكون أكثر سيطرة وقُدرة على الإمساك بزمام الأمور. وستكون تضحياته من أجل قيمه العليا مفهومه لذاته ومنسجمة لما يريد أن يحققه، وستكون صورة حياته الخارجية متوائمة مع ما هو عليه من الداخل. وذلك بالضبط ما نستطيع أن نصفه بالاستقرار النفسي الذي نود أن نحظى به جميعاً.