أشكال التعبير وصيغ التواصل من حولنا لا أول لها ولا آخر.

الإيماءة رسالة واللفتة رسالة وفي نبرة الصوت رسالة وفي ارتفاع قوس الحاجب رسالة.

وفي إزاحة امرأة لشعرها عن جانب الوجه رسالة، وفي الصمت رسالة، ونحن نتلقى رسالة كاملة من نظرة عين عابرة.

وهذه الرسائل كلها كتابة. ولأن الدنيا لا تعلمنا فقط ماذا نكتب، ولكنها تعلمنا أولا كيف نكتب، فإن هناك من يسعون في أعمالهم الأدبية والفنية، لكي يكونوا أهلا لمضاهاة صيغ التواصل المدهشة هذه المبذولة من حولنا في كل مكان: في الشوارع والحواري والمصانع والحقول والسجون والغابات، وفي دواوين الحكومة والمقاهي والمطارات، وفي الحجرات المفتوحة والمغلقة، وفي الهواء الطلق، وأنا أقف الآن على الرصيف أتابع السمكري وهو يعمل في رفرف عربتي الفولكس، ولأن الفولكس كلها أقواس فهي بحاجة إلى سمكري لديه علاقة حميمة مع الصاج، بعد خبطة الرفرف الذي دائمًا ما يخبط ، يمكنك أن تطلب منه أن يرد

الخبطة فقط، اختصارًا للوقت وتكلفة السمكرة والبوية، حينئذ سوف يدخل يده باللقمة الحديد بين العجلة والرفرف، ويدق الصاج الغائر إلى الخارج حتى يأخذ شكله القديم، باستثناء بعض التعرجات الخفيفة، والمواضع المتفرقة التي تقع منها البوية، وتأخذ عربتك وتنصرف.

أما إذا أردته أن يستعد لها، وهي مرحلة تالية، لا تفرق كثيرًا عن الأولى، إلا أن الرفرف سيستوي أكثر، ولكن البوية سوف يتزايد تشققها، وحينئذ يمكنك أيضًا أن تأخذها وتنصرف. أما إذا كنت تعاني من فحص فني وشيك، فأنت لن تستطيع الاكتفاء برد الخبطة أو استعدالها، تصير السمكرة واجبًا والدهان أيضًا وأنا الآن أقوم بهذا الواجب.

في هذه المرة قام الصبي بتسخين الصاج، وكشط البوية القديمة بسكينة المعجون، ثم قام الأسطى الشاب بدهان الرقعة العارية بالبوريمة ذات اللون البرتقالي الداكن، لأنها تظهر النقرات التي سوف يقوم بها وهو يستخدم السندة من الخلف وشاكوشًا رشيقًا له رأس رفيع، ويروح يطرق الصاج طرقات سريعة شبه متلاصقة، وهي تخلف آثارًا واضحة وملتمعة في اللون البرتقالي الداكن، والمقصود بهذه النقرات هو شد الصاج لأن الصاج بعد أن خبطت عربتك في رصيف أو عربة سوف يرتخي قليلًا وتتسع رقعته. أنت لن تدرك ذلك ولكنه الصنايعي صاحب اليد الذكية سوف يراه بباطن كفه، وهو يتحسس الرفرف من الأول إلى الآخر. هذه النقرات الزاحفة إذن يشد بها الصاج ويجمع زوائده في نتواءات مثل حبات القمح يلمها في أماكن متفرقة من الرفرف ويتقدم، بعد أن ينتهي سوف يأتي بلمبة اللحام ويسخن هذه الحبات ويطرقها بالشاكوش فتستوي.

أثناء العمل الذي يستغرق وقتا لم يكن ينقر هذه النقرات المتلاحقة، على نحو عشوائي بل إنه كان يواصل النقر في وحدات إيقاعية، يروح يكررها ويلعب بها طيلة الوقت، صانعًا لحنه الخاص، لا يقطعه سوى التوقف لإشعال سيجارة أو تناول رشفة من كوب من الشاي.

هذه الإيقاعات اللحنية المتلاحقة وبسبب من انضباطها المنتظم، رغم خفوتها صارت قرارًا ملموسًا له ما يشبه الهيمنة الخفية على أجواء الشارع بزحامه وأصواته المتنافرة.

هكذا أتابعه وهو يعزف في شمس الشتاء، وهكذا تخطر فتاة حلوة بين الناس في الجانب البعيد الآخر، وهو المشغول بالعمل يكسر فجأة هذا الإيقاع المهيمن بجملتين من النقر أو ثلاث. كان يعاكسها وأنا بنفسي لمحت البنت وقد وصلتها الرسالة عبر الزحمة، لمحتها تلتفت ناحيتنا من بعيد، وهي ماشية بصدرها النافر فيما يشبه الاستهجان، ثم تعتدل، وهو أدرك أن رسالته وصلت، وسمعته ينقر جملتين آخريتين ابتهاجًا بذلك، ثم واصل لحنه الأصلي.