لا يُمكننا أن نُنكر أهمية الخبرة في حياتنا العملية، العامة منها، والخاصة، سواء ما يتصل منها بسوق العمل والأعمال، أو ما يتعلق بالخبرة الحياتية المتراكمة مع تقدم العمر عند الإنسان؛ كنتيجة ومحصلة لتجارب حياتية مختلفة، توثق ما اكتسبه خلالها من معارف وعلوم ومواقف، سجلتها ذاكرته الخاصة، ويترجمها سلوكه في المجتمع، بما حصدته ذاته من قيم ومعارف وما اختزنته شخصيته من اتجاهات مختلفة.

في مجال الأعمال تلعب الخبرة دوراً مهماً في بناء قاعدة معلوماتية وسلوكية عند العاملين بمختلف مستوياتهم الوظيفية، وهم يمثلون البنية التحتية القوية لسوق العمل، وللمجال الذي يعملون فيه، وهم القاعدة التي يستند عليها القطاع لتوجيه سياساته ورسم خططه للارتقاء بالعمل أياً كان نوعه ومجاله، وذلك بعد تراكم المعرفة وبنائها، كنتيجة لممارسات فاعلة وتجارب عملية لسنوات تحتسب من العمر المهني، وبها يكتمل التمكين مع الجانب النظري من التعليم في التخصصات المختلفة، فتصقل المهارات وتنمي القدرات؛ لتستثمر في الصالح العام الذي يمثله المجتمع بمؤسساته الرسمية وبفضائه الاجتماعي، وفي الصالح الخاص الذي يمثله القطاع المهني الذي ينتمي إليه العامل ويحتويه تحت مظلته المؤسسية.

وبالإشارة إلى ما تم تداوله إعلامياً منذ أيام قليلة عن تزوير شهادات خبرة لعدد غير قليل من المهندسين الوافدين، وما يلحق ذلك من تفاصيل مختلفة؛ مكنت الكثير منهم من تحصيل الأعمال المختلفة في قطاعنا الوطني في مختلف المستويات الوظيفية؛ شهادات تزور لمؤهل أو لخبرة يحملها العامل في ميدانه بهتاناً، وذلك يشمل أعلى الكوادر الوظيفية من أطباء وصيادلة ومهندسين وأكاديميين، إلى المهنيين المحترفين في المجالات المختلفة.


على الجانب الآخر، تلك الممكنات الوظيفية المطلوبة؛ تشكل أهم عقبات توظيف المواطن وتمكينه في مختلف الأعمال في وطنه، إذ تطبق عليه جميع الممارسات والمعايير العلمية والعملية للحد من توظيفه بحجج مختلفة، منها: تخصص غير مناسب لسوق العمل، أو ضعف المؤهل، أو الافتقاد للخبرة العملية على الرغم من حداثة تخرجه، وذلك يشمل جميع مخرجاتنا الشابة التي تنتظر التوظيف، سواء من المخرجات الصحية الذين لا يزال بعضهم يكافح لاجتياز اختبار هيئة التخصصات الصحية، أو ممن اجتازها وينتظر قبوله من المستشفيات للتخصص، أو بين المهندسين الذين ينتظرون اعتماد هيئة المهندسين لهم ودعمهم لتيسير توظيفهم، أو بين الأكاديميين المواطنين الذي استكملوا درجات عُليا في التعليم ولا يجدون فرصة عمل، أو غيرهم من المؤهلين المهنيين الذي يبحثون عن فرص عمل في وطنهم؛ إذ تقف الخبرة العملية حجر عثرة، كأحد أهم العقبات التي تحول دون توظيفهم في المجالات المختلفة.

التساؤل الذي يطرح نفسه؛ لماذا لا تتساوى المعايير المطلوبة للتوظيف ودرجة موثوقيتها بين المواطن وغير المواطن؟! لماذا هذا الانحياز نحو غير المواطن في التوظيف، والذي أسهم في ارتفاع مستمر في نسبة البطالة؟ بل ولماذا توضع الخبرة العملية كشرط أساسي عند التوظيف للمواطن حديث التخرج، وبما لا يقل عن 3-5 سنوات كشرط أساسي لقبوله في العمل؟! أليسوا هم من مخرجاتنا العلمية والمهنية التي أنفقت عليها الدولة لتستثمر في مواردنا البشرية؟ أليسوا هم قادة المستقبل ورواده؟ وكيف لحديثي التخرج أن تكون لديهم خبرة عملية؟ الاستفهام الأصعب؛ أين يذهب أبناؤنا للعمل لبناء خبرة تثبت أنهم سبق لهم العمل في أحد القطاعات؟ هل يسافرون إلى خارج الوطن ليكتسبوا خبرة عملية؟!، وبذلك قد يفقدهم الوطن بعد أن استثمر في تعليمهم؟ أم ندفعهم لتزوير شهادات خبرة ومؤهلات مهنية وشهادات تأهيل مزورة من مكاتب تجارية، كما يفعل غيرهم ممن نستقدمهم للعمل من مختلف الدول؟!

ألا تكفي الأخطاء الطبية الكبيرة التي تتوارد إلينا أخبارها ما بين الآونة والأخرى، والشهادات المزورة لأطباء ومهندسين وغيرهم، والخلل والضعف في المشاريع الإنشائية المختلفة؛ لتكون عبرة وعظة تدفعنا نحو الوقوف على مدى موثوقية تلك المؤهلات وشهادات الخبرة لحامليها؟ بالطبع نحن لا ندعو إلى التساهل في التوظيف للمواطن وهو لا يحمل مؤهلاً أو قدرات ومهارات تمكنه من الوظيفة؟ كما لا ندعو إلى المساواة في التوظيف بين جميع المستويات من المخرجات العلمية المواطنة، لأن في ذلك ظلمًا وتجاوزًا للمتميزين منهم؛ ولكن نؤكد أنه ما زالت الفرص الوظيفية المتاحة والمشغولة بغير المواطنين، تتسع لجميع مخرجاتنا العلمية القادرة على العمل بمهنية عالية وانتماء وطني مميز.

عندما نجد المواطن لا يسهم في سوق العمل الوطني إلا بنسبة 31.95% من مجمل العاملين في سوق العمل من العام والخاص، ونسبته تتضاءل إلى 22.44% فقط في القطاع الخاص الذي يمثل القاعدة الأساسية للتوظيف في رؤيتنا واستراتيجيتنا الوطنية، بينما يحتكر غير المواطن نحو 70% من فرص العمل في العام والخاص، و80% من فرص القطاع الخاص وحده، وفي ظل تلك المعطيات؛ ألا يحق لنا أن نتعجب ونتساءل عن ماهية دور ومسؤولية وزارة الموارد البشرية من تلك الاختلالات؟! وما دور قطاعات التوظيف الأخرى مما يجري من تعسف في توظيف المواطن؟ وأين المسؤولية الوطنية التي يتحملها أرباب القطاع الخاص كشركاء في التنمية، لاستيعاب أبنائهم من المواطنين للتدريب العملي، وهم على رأس العمل؟ والأهم من ذلك، ما هي الإجراءات المزمع اتخاذها من وزارة الموارد البشرية، لمعالجة إشكالية التوظيف وقيوده على المواطنين، وانفلاته وتضليله مع غير المواطنين؟

كثير من التحديات التي تواجهنا في مسيرتنا التنموية وبما يكتنفها من إشكالات مختلفة؛ ترتبط بصفة مباشرة بمستوى قدرة وتمكن مواردنا البشرية التي تقود ركب التنمية في المؤسسات المختلفة من توجيهها نحو المسار الصحيح، هم من يتحملون مسؤولية تحقيق أهدافنا الاستراتيجية والتنموية؛ لتبلور تطلعاتنا المستقبلية بأيدٍ وطنية قادرة على البناء والعطاء، أين هم من تلك المعادلة وذلك الأمل المنظور؟!