في مشهد قصير باللغة الألمانية، يظهر مجموعة من الركاب «المؤدبين»، ويقف بعدها أحد العنصريين في الخلف، ينادي على أحد الركاب «من المهاجرين»، بصوت جهير أمام البقية (هل دفعت ثمن تذكرتك أم أنك تأتي إلى بلادنا وتخالف قوانيننا)، ورغم سكوت هذا المهاجر إلا أن هذا «الغثيث» أكمل قائلا (لا بد أن من دفع تذكرتك، هي الرعاية الاجتماعية لدينا، وهم يدفعون ثمن تذكرتك من الضرائب التي ندفعها لهم)، المهم أن أحد الركاب من الألمان الآخرين التفت لهذا المزعج وقال له (من فضلك اخفض صوتك)، فقام هذا العنصري للشجار مع «ابن بلده»، قائلا وما شأنك وإذا «كفو» فقف لأضربك ضرب الرجال، فرد عليه صاحبنا «المكبر دماغه» وقال له: لن أتعارك معك هنا، عليك النزول من الباص وسنتعارك هناك.

بعد نزول هذا «المهبول»، هم (المهاجر) بالنزول ليتضارب معهم ويدافع عن «ابن البلد» هذا، ولكن «ابن البلد» أوقفه وأرجعه مكانه وقال (لا داعي لذلك)، واقترب «ابن البلد» المؤدب من سائق الباص وقال له: (أغلق ابواب الباص وانطلق)، وبعد أن انطلق الباص بقي هذا «العنصري» يطارد الباص ويصرخ (توقفوا... توقفوا... توقفوا) ولكن من بالباص لم يعيروه اهتماما سوى نظرات ساخرة، وكأن لسان حالهم يقول تخلصنا منه ومضينا في طريقنا بلا إزعاج أو مشاكل.

هذا مشهد مختصر ولكن لو تطبقه عمليا على الأفعال والأقوال والنوايا لدى «العنصريين» تجاه المجتمع الصغير داخل الأسرة الصغيرة والأسرة الكبيرة، وتجاه المجتمع الكبير من المناطق والدول، تجد أن هذا الحل الجذري لما يقومون به من «نتانة» تجاه أنفسهم وتجاه المجتمع.


لو لاحظنا أغلب مشاكلنا لوجدناها تنطلق من مبدأ عنصري، أو على الأقل من مبدأ «أنا خير منه»، فتجد احتقار الآخر أو التعامل معه بفوقية، تجعل منا أعداءً لبعضنا ونحن كنا بغنى عن ذلك، فتجد معاملة الزوجة على أساس أنني أنا الذكر هنا «ملك الغابة» وأنتِ هنا لخدمتي فقط وتفريغ شهواتي، ويتحول الأمر لحب التملك والسيطرة على أساس الاحتياج، وتنتج أسرة هشة قوامها المشاكل والضعف المجتمعي، ما يزيد من قلة الوازع الديني والتحول للمخدرات والانحراف الأخلاقي بسهولة، على العكس لو لم يتم التعامل مع مربية هذا الأسرة على أساس عنصري.

وقس على ذلك بقية تفاصيلنا والتي قد تجعل دولا تحتقر طوائف أو قبائل أو أعراقا من شعبها، اعتقادا أن لها الأولوية في ذلك، كما كان يعامل ذوو البشرة السوداء في أمريكا وأوروبا وكانت بلادهم تهوي إلى الحضيض، وبعد أن أنزلوا من يثير العنصرية والطائفية من «باص» التقدم والازدهار، تحولت بلادهم إلى أقوى اقتصادات الأرض، ولم يعد هناك تمييز أو طائفية.

فعلينا ابتداءً من الأسرة الصغيرة حتى مجتمعنا الكبير أن نجبر من يثير العنصرية والطائفية بيننا على النزول من باص عجلة التطور المستمر من حولنا، ويكون اتفاقنا على أن نطلب ممن يمضي بنا قدما في باص التنمية المتسارعة أنه وبعد نزول العنصريين، ينتظروننا للمشاجرة معنا، أن نطلب منه استمرارا لعملية تقدمنا أن (أغلق أبواب الباص وانطلق).