على خلاف حالة التلقي الأولى لنبأ إصابة طفله المولود بمتلازمة «داون» أو «المغولية»، والتي تتسم عادة بالحزن والصدمة وحتى الإنكار، تبدأ الحالة بالتغير على نحو إيجابي عقب فترة قصيرة من التعامل مع هذا الطفل الذي يمتاز بأنه سرعان ما يدخل القلوب، مضفيا جمالًا خاصًا على الحياة بابتساماته وضحكاته ومزاحه وتعامله اللطيف والمتعاون مع الجميع، فضلا عن هدوئه ومشاركاته الفعالة، وممارساته لهواياته التي يفضلها، ما يجعله صنوا للفرح كما يرى كثيرون، إضافة إلى أن عددًا من المصابين بهذه المتلازمة قدموا نماذج ناجحة، يمكن القياس عليها في تقبل المصابين بهذه المتلازمة، والتفاؤل بقدرتهم على تحقيق منجز من نوعا ما.

وتعرّف مديرة إدارة التربية الخاصة للبنات في تعليم منطقة نجران، الإخصائية غالية السويدي متلازمة داون (Down syndrome)، بأنها «مجموعة من الصفات الجسدية والنفسية الناتجة عن مشكلة في الجينات، وتحدث في مرحلة مبكرة ما قبل الولادة، حيث يحمل المرضى الذين يعانون منها ملامح مميزة في الوجه، فشكلهم الجانبي (بروفيل) مسطح والرقبة القصيرة، والأذنان صغيرتان، والعينان مائلتان والفم صغير، مع رقبة ويدين وساقين قصيرة، إضافة إلى ضعف في العضلات ومفاصل مرخية، وفي مرحلة الطفولة المتأخرة يتحسن مستوى التوتر العضلي (Muscle tone)، على أن نسبة الذكاء (IQ - Intelligence Quotient) تكون أدنى من المعدل العام، كما يعاني هؤلاء، غالبًا، من التخلف العقلي بدرجة معينة، وتتفاوت حدة علامات المرض من مريض إلى آخر، لكنها تترواح، بشكل عام، ما بين الخفيفة جدا والمتوسطة».

فحوص التشخيص

نصحت الدكتورة السويدي، الطبيب المعالج لمثل هذه الحالات، بإجراء فحوصات مختلفة خلال فترة الحمل، من أجل التحقق من عدم إصابة الجنين بمتلازمة داون (المغولية)، مشيرة إلى أن هناك عدة فحوصات تصوير مختلفة، يمكن من خلالها الكشف عن المتلازمة، لكن هذه الفحوصات يمكن أن تبين أحيانًا نتائج إيجابية خاطئة، أي أن يظهر في الفحص أن الجنين يعاني من متلازمة داون، بينما هو ليس كذلك في الواقع.

قصص وتجارب

تحفل ذاكرة ذوي المصابين بمتلازمة داون بكثير من الحكايا المؤثرة والمؤلمة، فتروي أم يوسف تجربتها مع أطفال المتلازمة، وتقول «التجربة التي عشتها كأم لمصاب بهذه المتلازمة تعلمت منها كيف أكون أما لطفل مختلف ومميز بفضل الله.. يوسف هو آخر أطفالي الأربعة الذين أنجبتهم، وكانت فتره حمله طبيعية مثل باقي إخوته، ومع حماسي وسعادتي بقدومه اخترت له اسم يوسف، ولم أعلم بأن طفلي المنتظر سيولد مصابًا بالمتلازمة، وبالرغم من هاجسي الشديد من الأمر عند كل فترة حمل، وبعد الولادة قضيت أكثر من شهر في حالة صدمة وبكاء واكتئاب، لكن بعدها والحمدلله تغلبت على كل شيء، وبدأت أتقبل الأمر شيئا فشيئا».

وتضيف «مع مرور الأيام، بدأت استلطف شكله ونظراته التي كنت أخاف منها.. ثم بدأت أتكلم عنه وعن مواصفاته لإخوته، من هنا أحسست بأنني متناقضة أمام نفسي، كيف أجعلهم يتقبلون ويحبون شيئًا لم أكن أحبه، ولم أكن أعلم أن كل هذا الخوف سيصبح حبًّا ورحمة، حتى نظرات عينيه كنت قد بدأت أعشقها، وأراها كأجمل عينين ميزه الله تعالى بها عن بقية خلقه، فانطلقت أبحث عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن طرق تساعدني على تربيته وكيفية التعامل معه، وكذلك قمت بتأهيله عبر جلسات العلاج الطبيعي حتى بلغ عمره 4 سنوات، لأقوم بتسجيله بمدارس الشؤون الاجتماعية، حيث تم قبوله لديهم طالبًا منتظمًا ومتفوقًا في نفس الوقت، كما حظيت بمساعدة كل من هم حولي بتقبلهم ليوسف وحبهم له وخوفهم عليه والأخذ بيده، بعد أن أضاف لي وللأسرة وكل من حولي سعادة كبيرة لا تضاهيها سعادة».

إصرار مصاب

من جدة، يقول الشاب المصاب بالمتلازمة عبدالرحمن سامي المداح (24 سنة)، متحدثًا عن نفسه «في البداية وجدت صعوبة بالغة في التعايش مع المجتمع، كثيرًا ما كنت أتعرض للنقد، وكثيرًا ما تعرضت إلى مصطلحات ونفور من الناس نتيجة اعتقاد البعض أن المتلازمة أحد الأمراض المعدية، لكن ولله الحمد، الآن زاد الوعي».

وتمنى المداح زيادة التثقيف بهذا المرض، خاصة عند الأطفال، بالتعاون بين الأهل والمدرسة، وقال «أنا أمارس حياتي الطبيعية كأي شخص آخر بكل رغبة وإصرار، وأواصل تعليمي، وأتعلم كثيرًا من الأعمال كي أعتمد على نفسي، مع ممارستي لكثير من الهوايات المفضلة مثل لعب كرة القدم والسباحة، وأذهب لأستمتع بالترفيه في مدن الألعاب، وركوب الدراجات الرباعية، ولدي كثير من المشاركات في اليوم العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، وتلقيت عددًا من شهادات الشكر والتقدير في كثير من المناسبات، تقديرًا لما قمت به من أعمال إبداعية، وكذلك لصيامي شهر رمضان كاملًا».

أيقونة الفرح

من نجران، يرى أحمد عيضة آل داشل، وهو والد عمار المصاب بالمتلازمة «انتظرنا طفلنا الجديد بفارغ الصبر استعدادًا للفرح والبهجة، وفاجأنا الطبيب حين أكد أن وليدنا عمار مصاب بمرض متلازمة داون، ولديه ثقوب في القلب، ويحتاج لمزيد من الفحوصات والإشاعات، لكننا تقبّلنا الأمر بالرضى، وكانت والدته أشد مني صبرًا وقوة، حتى بات يملأ البيت حبًّا وحنانًا وجمالًا بحركته وضحكته، وحياتنا معه ممتعة، فتحت لنا باب الرفق والصبر ولله الحمد».

وتمنى آل داشل أن تولي الجهات المعنية مزيدًا من العناية لتثقيف أطباء الأطفال حول الإعاقات، وكذلك التوسع في افتتاح مراكز ومدارس لهذه الفئة للتعليم والعناية، مؤكدًا أن شخصية المصاب بها لطيفة جدًّا وحنونة وطيبة للغاية، وهو اجتماعي بطبعه، يحتاج فقط إلى الرعاية والحب والاهتمام.

سر السعادة

يقول خالد علي الزغيبي، وهو أب لطفلة (14 سنة) من ذوي متلازمة داون «تلقينا خبر إصابتها في البداية بصدمة موجعة، خاصة أن بعض الأطباء لا يتقن فن نقل الخبر، ومع مرور الوقت تقبلنا الواقع، ثم أبدينا كل اهتمامنا بها ن ناحية مواعيد المستشفى، أو التعليم، أو التأهيل الشامل، وبسببها عمّت السعادة والمرح، لأن هذه الفئة الغالية تتمتع بخفة دم، وتحقق لنا التوفيق والرزق من الله، كما أن طفلتي متعاونة وخدومة واجتماعية، تحب الناس».

وأشار إلى أن أكثر من 50% من مصابي هذه المتلازمة يعانون من أمراض بالقلب، وبعضهم لديه أمراض في الجهاز التنفسي والهضمي، وضعف بالبصر والسمع.

نور البيت

أصبحت هيلة (57 سنة) وهي مصابة بمتلازمة داون، نور البيت، وجزء لا يتجزأ من حياة أسرتها، حسب وصف قريبتها.

تقول أم عادل «لا نستطيع أن نتخيل البيت من دونها، سواء أنا أو زوجي أو أبنائي، فهي النور والخير والبركة للبيت، نحبها جميعًا ونعتني بها ونراعيها بكل ما نستطيع.. هيلة تمتلك وتتمتع بذاكرة حادة وتحفظ أسماء كل من يمر عليها، حتى لو من زمن بعيد تتعرف عليهم، ذكية تحب الجميع، بعض الأشياء لا تعي التصرف فيها فأكون مهتمة بها ومراعاتها في نظافتها واستحمامها ولبسها، حريصة على فعل بعض الأمور كأكلها ومواعيد نومها وتناولها لمشروبها المفضل القهوة العربية وتناول التمر معها في أوقات محددة بعد استيقاظها من النوم، وفي العصر، وبعد العشاء.. عندما تتألم من بعض الأوجاع، يتألم البيت كله لألمها، ونطير فرحًا عندما تشعر بالتحسن، تمتلك مشاعر جياشة سواء في الفرح أو الحزن، فهي تبكي وتذرف دموعها عندما نخبرها بوفاة أي أحد تعرفه، ولكنها في النهاية تقول الحمد لله، والعكس تمامًا تطير فرحًا عندما نخبرها بزواج أي شخص تحبه شابًا كان أم فتاة، وتحرص على حضور حفل الزواج، والرقص فرحًا».

تعريف متلازمة داون

مجموعة صفات جسدية ونفسية تنتج عن مشكلة في الجينات

تحدث في مرحلة مبكرة ما قبل الولادة

نسبة ذكاء مصابيها أقل من المعدل العام

تتفاوت حدة علاماتها من مريض إلى آخر

ملامح المصابين

شكلهم الجانبي مسطح

الرقبة قصيرة

الأذنان صغيرتان

العينان مائلتان

الفم صغير

الرقبة واليدين والساقين قصيرة

ضعف في العضلات ومفاصل مرخية

ناجحون تحدوا المتلازمة

مها آل رحمة

تحدت إعاقتها بريشة تضج ألوانها بالحياة

نالت لوحتها تكريما خاصة في حفل جائزة الشيخة لطيفة بالإمارات

رحمة خالد

أول مذيعة عربية من ذوي المتلازمة تعاقدت معها قناة mbc

عبدالعزيز العيوني

حقق بطولة المملكة 5 مرات متتالية في السباحة

بطولة البار السعودية

حصل على 5 أحزمة في الكاراتيه

عبدالعزيز فلمبان

افتتح مقهى خاصًا به في مكة المكرمة