قررت أن ابتعد هذا الأسبوع قدر الإمكان عن الكتابة في الملفات الخليجية. فكرتي هذا الأسبوع تقوم على بحث سريع وبسيط، حيث وجدت نفسي أمام ركام من الجروح التي تلقاها المرشد الإيراني خلال وقت وجيز. كان 2020 عام سوء على طهران ومرشدها ورئيسها، وقد يكون على شعبها المنقاد وراء تحديات تمدد الثورة الإيرانية التي قامت على أنقاض نظام الشاه، الذي كان متناغما مع دول المنطقة. ففي مطلع يناير من العام الماضي، تلقت الجمهورية والمرشد صفعة مدوية بالقضاء على رأس الأفعى المنفذ لسياسات التمدد، الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وفي نهاية العام تلقت جمهورية المرشد ركلة مدوية بقتل صندوقها الأسود وحافظ أسرار برنامجها النووي فخري زاده. صحيح أن المنفذ لعملية قتل الأول يختلف عن الآخر، لكنهما يلتقيان عند نقطة هدف معنية، فقاتل «سليماني» ومانح الأمر بتصفيته هو من سيغادر البيض الأبيض بعد أيام، دونالد ترمب الذي أصاب صانع السياسة الإيرانية التخريبية خلال سنوات حكمه بالرعب جراء عدم الثقة في ردود أفعاله، والمنفذ لعملية قتل «زاده» هو بنيامين نيتانياهو الذي يحتل بقعة من أرض تضعها إيران ومن يؤيدها من «المُهرطقين» هدفا لتحريرها من قبضته.

يمكن للمراقب البسيط أن يعي لماذا ارتفع سقف المناورات الإيرانية مع قرب مغادرة ترمب البيت الأبيض، ويمكن أيضا فهم كيف يفكر صانع القرار السياسي في الجمهورية، من حيث وضع هذا السقف حدا أعلى في التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن. استغلت طهران التلميحات «الانتخابية» التي أدلى بها بايدن إبان الانتخابات الأمريكية في شأن إعادة الاتفاق النووي، وصمتت بعض الوقت حتى خرج الأسبوع الماضي الرئيس حسن روحاني، برفقة علي أكبر صالحي، متفقدا بعض المنشآت النووية، وأعلن استئناف إيران تخصيب اليورانيوم بـ20%، في خطوة مخالفة للاتفاق النووي المبرم مع الدول الكبرى قبل خمسة أعوام، الذي نص على ضرورة ألا تزيد نسبة التخصيب على 3.76%، ومنحت الحق لنفسها في رفع عملية التخصيب بذريعة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تلتزم بالاتفاق، في إشارة إلى إلغاء ترمب الاتفاق ما أن بلغ المكتب البيضاوي.

أزعم أن هذه الخطوة التي اعتمدتها طهران تعود لعدة أسباب، أبرزها محاولة لمداواة الجروح التي لُكمت بها خلال العام الفائت، بالإضافة إلى صرف نظر الرأي العام الإيراني الداخلي، وإشغاله عن الوعود المطلقة في الثأر لمن ذهبوا ضحية «البندقية الامبريالية»، ناهيك عن السعي لوضع الإدارة الأمريكية المقبلة أمام الأمر الواقع، وجرها مرغمة لاتفاق محلق عن السابق، أو اتفاق يُبرم بعد دخول الإدارة الأمريكية الجديدة البيت الأبيض.


في جانب مغاير، يفترض ألا يكون أي اتفاق خليجي – خليجي بمعزل عن المنطقة بأسرها، وعن طهران على وجه الخصوص، بل أتصور أن أي توافق يمكن أن يتم بين دول مجلس التعاون الخليجي سيكون بالنسبة للجمهورية بمنزلة ثالث الجروح، وهي التي عملت خلال سنوات مضت على تعميق الجراح الخليجية بخطى تتوافق مع خطوات الحقد التي لعبها عصملي تركيا.

حتما عاشت طهران أمس، خلال انعقاد قمة دول مجلس التعاون في العلا، يوما أسود شبيه باللون نفسه الذي عاشته أيضا أنقرة، حيث الخليفة ضابط إيقاع الجماعات الإرهابية المتطرفة في المنطقة. لذا يمكن القول إن المرشد استفتح العام الماضي بمقتل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التخريبي، وانتهى العام نفسه بمصرع مهندس البرنامج النووي الإيراني فخري زاده، وابتدأ العام الجديد بجرح ثالث يتحقق بمصالحة خليجية بين دول مجلس التعاون الخليجي.

خلاصة القول.. أجزم أن كلمة «يالله حيه.. نورت المملكة»، التي رحب بها سمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، بأمير قطر أمس، خلال وصوله للمشاركة في قمة العلا، ستكون ضمن أقسى الجروح التي سيعانيها المرشد والجمهورية، وبعض من المرتزقة الذين عاشوا على الأزمة الخليجية، ولا يمكنني نسيان المرتزق الأكبر هناك في أنقرة.