يمكن للمراقب البسيط أن يعي لماذا ارتفع سقف المناورات الإيرانية مع قرب مغادرة ترمب البيت الأبيض، ويمكن أيضا فهم كيف يفكر صانع القرار السياسي في الجمهورية، من حيث وضع هذا السقف حدا أعلى في التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن. استغلت طهران التلميحات «الانتخابية» التي أدلى بها بايدن إبان الانتخابات الأمريكية في شأن إعادة الاتفاق النووي، وصمتت بعض الوقت حتى خرج الأسبوع الماضي الرئيس حسن روحاني، برفقة علي أكبر صالحي، متفقدا بعض المنشآت النووية، وأعلن استئناف إيران تخصيب اليورانيوم بـ20%، في خطوة مخالفة للاتفاق النووي المبرم مع الدول الكبرى قبل خمسة أعوام، الذي نص على ضرورة ألا تزيد نسبة التخصيب على 3.76%، ومنحت الحق لنفسها في رفع عملية التخصيب بذريعة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تلتزم بالاتفاق، في إشارة إلى إلغاء ترمب الاتفاق ما أن بلغ المكتب البيضاوي.
أزعم أن هذه الخطوة التي اعتمدتها طهران تعود لعدة أسباب، أبرزها محاولة لمداواة الجروح التي لُكمت بها خلال العام الفائت، بالإضافة إلى صرف نظر الرأي العام الإيراني الداخلي، وإشغاله عن الوعود المطلقة في الثأر لمن ذهبوا ضحية «البندقية الامبريالية»، ناهيك عن السعي لوضع الإدارة الأمريكية المقبلة أمام الأمر الواقع، وجرها مرغمة لاتفاق محلق عن السابق، أو اتفاق يُبرم بعد دخول الإدارة الأمريكية الجديدة البيت الأبيض.
في جانب مغاير، يفترض ألا يكون أي اتفاق خليجي – خليجي بمعزل عن المنطقة بأسرها، وعن طهران على وجه الخصوص، بل أتصور أن أي توافق يمكن أن يتم بين دول مجلس التعاون الخليجي سيكون بالنسبة للجمهورية بمنزلة ثالث الجروح، وهي التي عملت خلال سنوات مضت على تعميق الجراح الخليجية بخطى تتوافق مع خطوات الحقد التي لعبها عصملي تركيا.
حتما عاشت طهران أمس، خلال انعقاد قمة دول مجلس التعاون في العلا، يوما أسود شبيه باللون نفسه الذي عاشته أيضا أنقرة، حيث الخليفة ضابط إيقاع الجماعات الإرهابية المتطرفة في المنطقة. لذا يمكن القول إن المرشد استفتح العام الماضي بمقتل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التخريبي، وانتهى العام نفسه بمصرع مهندس البرنامج النووي الإيراني فخري زاده، وابتدأ العام الجديد بجرح ثالث يتحقق بمصالحة خليجية بين دول مجلس التعاون الخليجي.
خلاصة القول.. أجزم أن كلمة «يالله حيه.. نورت المملكة»، التي رحب بها سمو ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، بأمير قطر أمس، خلال وصوله للمشاركة في قمة العلا، ستكون ضمن أقسى الجروح التي سيعانيها المرشد والجمهورية، وبعض من المرتزقة الذين عاشوا على الأزمة الخليجية، ولا يمكنني نسيان المرتزق الأكبر هناك في أنقرة.