سنة الجدري، سنة الطاعون، سنة كورونا، الأحداث العظيمة تجبرنا على تخليدها، فنصنع منها تاريخاً يذكرنا بها لنتعلم الدرس.

لا يوجد حدث لا يتعلم منه الإنسان، قصة الجدري هي الأقرب لذاكرة إنسان الجزيرة العربية، عندما حل وباء الجدري في السعودية وغيرها من بلدان الجزيرة العربية، أخذ أرواحا كثيرة من الناس، وعالج من نجا من الوباء غيره أو كما يقولون (جدَر)، حيث يرعى من تعافى من الجدري المصاب بعيداً عن الأصحاء خوفاً عليهم من العدوى، وأقيمت المحاجر الطبية بحسب مفهومهم وإمكانياتهم ذلك الوقت، والكل كان يحلم بالخلاص الذي يجعلهم يعيشون حياتهم بعيداً عن شبح الموت، فأتى لقاح للجدري، فاشترت الدولة اللقاح ونفذت حملات تطعيم واسعة وشاملة للجميع، فانتهى المرض واندحر الوباء، حيث تغلب العالم عليه نتيجة حملات التطعيم والتي بدأت عام 1967، تحت مظلة منظمة الصحة العالمية، وكانت آخر حالة مسجلة بالعالم في الصومال عام 1977، وفي عام 1980 أوصت منظمة الصحة العالمية بإيقاف التطعيم ضد هذا المرض لانتهاء الوباء. لم يشك أحد في أن يكون الأمر مؤامرة لأنهم فقدوا أحبتهم حقيقة، ولأن مفهوم المؤامرة لم يكن معروفاً أو متداولاً في ذلك الوقت، اللقاح كان احتياجاً وضرورة غير قابلة للتأويل، استهلك الكثير من الجهود، وتطلب العديد من التجارب ليصل اللقاح الأكثر سلامة والأكثر كفاءة، ليعيش الإنسان بسلام على وجه هذه الأرض. هناك من عاصر سعادة الحصول على لقاح الجدري وعاش سعادة الحصول على لقاح كورونا الذي هدد الصغار والكبار، الشيوخ والنساء، فلم يتردد في الحصول على اللقاح، لأنه أدرك أنه نجا في المرة الأولى، بفضل الله، أولاً ثم بفضل اللقاح الذي حصل عليه. كانوا ممتنين جداً لهذا العلم الذي أوصلهم لبر الأمان، ليسوا وحدهم بل حتى أطفالهم والذين كانوا يموتون بالحصبة وغيرها، مواليد ورضع، فما إن وصلت لهم التطعيمات حتى أخذوا صغارهم ليتطعموا. العلم الذي نعرفه الآن لم يدركوه من قبل، المعلومة أصبحت أكثر سهولة وفي متناول الجميع، الكل يستطيع الاطلاع والقراءة والمعرفة، ولكن على كل منا أن يختار مصدره الذي لا يخذله، يختار أن يكون ملهما لغيره، وهذا ما اختاره قادتنا حينما كانوا أول من تلقى لقاح كورونا، ليلهموا غيرهم أن أقدموا من غير خوف ولا تردد، فليس هناك ما يخيف، الخوف كله في الوباء ذاته. نريد أن نجعل من الوباء مجرد ذكرى وتاريخ نحكي عنه للأجيال القادمة، أتعرفون ما الذي جعل آباءنا الأولين يقبلون على التطعيمات حينما توفرت دون تردد؟ هي تجربة المرض ذاتها، وكذلك عدم وجود تأثيرات خارجية تؤثر في أفكارهم. منصات التواصل الاجتماعي سمحت لكل شخص أن يعبر عن أفكاره بغض النظر عن صحتها أو دقتها، وأصبح من السهل أن يتغير مفهوم الإنسان بحسب من يتابع. من الجيد أن تكون مؤثراً، ولكن أنت مسؤول عن كل فكرة تبنيتها فأضرت غيرك.

السؤال: هل يُسأل الإنسان عمَا ينشر؟ مع إيماني الكامل بحرية الرأي، ولكن كل رأي يهدم ولا يبني، هو رأي غير قابل للطرح أو التبني.